بعد يومين فقط من دخول Ley 27.801 حيز التنفيذ، عُلّق تطبيق النظام الجنائي الجديد للأحداث لمدة 60 يومًا في مقاطعة بوينس آيرس. القرار يستند، وفق ما نُشر عنه، إلى مخاوف تتعلق بالبنية التحتية والموارد اللازمة لضمان حقوق القاصرين، لكنه يفتح في المقابل ملفًا أكبر يتعلق بمسؤولية السلطات عن الاستعداد للقانون، وحدود التدخل القضائي، وحقوق الضحايا والأبرياء التي يحميها القانون الأرجنتيني أيضًا.
.
بقلم: د. عبد العزيز طارقجي
صحفي استقصائي وباحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي
.
قانون وطني لم يكن مفاجأة
أقر الكونغرس الأرجنتيني Ley 27.801 في 27 فبراير/شباط 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية في 9 مارس/آذار، وأنشأ نظامًا جديدًا للمسؤولية الجنائية للأحداث يشمل من أتم الرابعة عشرة ولم يبلغ الثامنة عشرة عند ارتكاب الجريمة.
وحددت المادة 52 دخوله حيز التنفيذ بعد 180 يومًا من نشره، ما يعني أن وجود القانون ومضمونه والفئة العمرية التي سيشملها وتاريخ بدء تطبيقه كانت معلومة قبل سبتمبر/أيلول بأشهر.
كما دعت المادة 49 المقاطعات ومدينة بوينس آيرس إلى مواءمة قواعدها الإجرائية والإدارية مع النظام الجديد، بينما أتاحت المادة 51 إبرام اتفاقات تعاون بين الدولة الوطنية والمقاطعات لتنفيذ أحكامه.
ولذلك فإن السؤال عن مدى استعداد Provincia de Buenos Aires ليس افتراضًا سياسيًا، بل سؤال يرتبط مباشرة بكيفية تنفيذ قانون وطني كان موعد نفاذه معروفًا مسبقًا.
القانون لا يعني إرسال كل قاصر إلى السجن
النقاش السياسي حول خفض سن المسؤولية الجنائية قد يعطي انطباعًا بأن Ley 27.801 يقوم ببساطة على سجن من يبلغ الرابعة عشرة، بينما نص القانون أكثر تعقيدًا من ذلك. فهو يضع مجموعة من العقوبات والتدابير تشمل التحذير القضائي، والقيود على الاقتراب أو الاتصال، والخدمة المجتمعية، والمراقبة الإلكترونية، والإصلاح الكامل للضرر، إضافة إلى أشكال الحرمان من الحرية في الحالات التي يحددها القانون.
كما يضع ضمانات خاصة للمراهق ويشترط أن يتم أي احتجاز في مؤسسات متخصصة ومنفصلة عن البالغين، ويجعل التعليم وإعادة التأهيل والاندماج الاجتماعي جزءًا من أهداف النظام.
وبذلك فإن القانون يجمع أصلًا بين المساءلة الجنائية وحماية الحقوق، وليس بين العقوبة المجردة وإهمال وضع القاصر.
الدستور يحمي المتهم… لكنه لا يلغي واجب الدولة في حماية المجتمع
المادة 18 من الدستور الوطني الأرجنتيني تضمن الدفاع والمحاكمة وفق القانون، وتقرر أن أماكن الاحتجاز يجب أن تكون صحية ونظيفة ومخصصة للأمن لا لمعاقبة المحتجز خارج ما يسمح به القانون.
وهذه الضمانات تشمل القاصر بطبيعة الحال. لكن احترام هذه الحقوق لا يعني أن عجز الدولة عن توفير المؤسسات المناسبة يصبح حلًا دائمًا لتعطيل السياسة الجنائية التي أقرها المشرّع.
واجب الدولة هو توفير البنية التي تسمح بتطبيق القانون مع احترام الدستور، لا وضع المجتمع أمام معادلة مفادها إما احترام حقوق القاصر وإما تطبيق القانون.
بعد يومين فقط… تعليق لمدة 60 يومًا
دخل النظام الجديد حيز التنفيذ في 5 سبتمبر/أيلول 2026، وبعد يومين أصدرت القاضية مارتا إلبا باسكوال – Marta Elba Pascual، رئيسة Juzgado de Responsabilidad Penal Juvenil N.º 2 de Lomas de Zamora، تدبيرًا احترازيًا في إطار hábeas corpus preventivo colectivo تقدمت به Federación Familia Grande Hogar de Cristo.
وبحسب المعلومات المنشورة عن القرار، أمرت القاضية بتعليق تطبيق النظام الجديد لمدة 60 يومًا في مقاطعة بوينس آيرس، مستندة إلى مخاوف تتعلق بقدرة البنية التحتية والمؤسساتية والمهنية القائمة على استيعاب القاصرين الذين قد يدخلون النظام الجديد مع احترام حقوقهم.
ومن الضروري قانونيًا التأكيد أن الأمر يتعلق بتدبير احترازي مؤقت، وليس حكمًا نهائيًا بإلغاء Ley 27.801 أو إعلان عدم دستوريته.
المشكلة كانت معروفة قبل سبتمبر
الأهم أن صعوبات منظومة الأحداث في Provincia de Buenos Aires لم تظهر للمرة الأولى يوم صدور قرار التعليق.
في أبريل/نيسان 2026 أصدرت Suprema Corte de Justicia de la Provincia de Buenos Aires القرار SC 924/26 المتعلق بشروط تطبيق المواد 45 إلى 55 من Ley provincial 15.571 الخاصة بتنفيذ العقوبات والتدابير الجنائية للأحداث.
القرار ليس حكمًا على Ley 27.801، ويجب عدم تقديمه بهذه الصورة، لكنه أشار صراحة إلى أن القانون الوطني الجديد سيؤثر بالضرورة في الوضع القائم لنظام قضاء الأحداث، وقرر إبلاغ السلطتين التنفيذية والتشريعية بالحاجة إلى إعادة تحليل التنظيم في ضوء ما وصفته المحكمة بـ الاستحالة العملية لتطبيق القانون في السياق الحالي.
أي أن مشكلات التطبيق كانت مطروحة رسميًا أمام مؤسسات المقاطعة قبل أشهر من سبتمبر.
المساءلة هنا تقع على المؤسسات لا على الشعارات
ليس دقيقًا القول إن حكومة الحاكم أكسيل كيسيلوف – Axel Kicillof لم تفعل شيئًا في مجال الأحداث، فقد كانت هناك برامج وسياسات مثل Entramados وغيرها من إجراءات الوقاية والتنسيق.
لكن وجود هذه البرامج لا يجيب عن السؤال المحدد الذي أصبح مطروحًا بعد التعليق: هل كانت البنية المادية والقضائية والإدارية جاهزة لتطبيق Ley 27.801؟ المطلوب هنا أرقام ووثائق: القدرة الاستيعابية للمراكز قبل صدور القانون وبعده، الأماكن الجديدة التي أضيفت، عدد الاختصاصيين والموظفين الذين عُينوا أو دُربوا، التعديلات الإجرائية التي أُنجزت، الموارد التي خصصتها المقاطعة، والاتفاقات أو المساعدات التي طلبتها من الحكومة الوطنية.
وإذا كانت Provincia de Buenos Aires قد قامت بما يقع عليها ولم توفر Nación ما كان مطلوبًا منها، فيجب أن تظهر الوثائق ذلك أيضًا.
23.7 مليار بيزو… رقم يجب ألا يُستخدم بصورة مضللة
خصصت المادة 51 من Ley 27.801 نحو 23.7 مليار بيزو لسنة بدء تنفيذ النظام، لكن هذا المبلغ لم يُخصص بالكامل لمقاطعة بوينس آيرس، بل وُزّع على جهات وطنية معنية بالتنفيذ، مع إتاحة إبرام اتفاقات تعاون مع المقاطعات.
لذلك، فإن السؤال المالي هو: ما الموارد التي خصصتها المقاطعة لتنفيذ القانون؟
وما الذي طلبته أو حصلت عليه من الحكومة الوطنية؟
وهل أُبرمت اتفاقات تعاون بين الطرفين؟
الإجابة عن هذه الأسئلة بالوثائق والأرقام ضرورية لتحديد المسؤوليات عن نقص الموارد والبنية التحتية.
حقوق الضحايا ليست تفصيلًا ثانويًا
التركيز على ضمانات القاصر لا يجوز أن يجعل الضحية تختفي من النقاش، لأن القانون نفسه لا يسمح بذلك.
Ley 27.801 ينص ضمن مبادئه على مراعاة حماية الضحية وعائلتها والأمن العام وحماية المجتمع، ويقرر حقوقًا للضحايا خلال الإجراءات.
وإلى جانبه توجد Ley 27.372 الخاصة بحقوق وضمانات ضحايا الجرائم، التي كرست حقوق الضحية في الحماية والمساعدة والوصول إلى العدالة والمعاملة العادلة والتدخل في الحالات التي يحددها القانون.
لذلك فإن المطالبة بحماية الضحايا ليست موقفًا مضادًا لحقوق الإنسان، بل مطالبة بتطبيق منظومة الحقوق كاملة.
استغاثات الضحايا التي نراها كل يوم لها معنى
تعرض شاشات التلفزة ووسائل التواصل بصورة شبه يومية تسجيلات لكاميرات أمنية توثق سرقات واعتداءات وعمليات سطو، ثم نرى الضحايا يروون ما تعرضوا له، وأحيانًا نسمع استغاثاتهم لحظة وقوع الجريمة.
هذه الصور ليست بديلًا عن الإحصاءات الرسمية ولا يجوز استخدامها لإثبات أن الجريمة ارتفعت بسبب القاصرين، لكنها تضع الوجه الإنساني أمام الأرقام: هناك مواطن خسر ممتلكاته، أو تعرض للعنف، أو وُضع سلاح أمامه، أو بقيت أسرته تعيش الخوف بعد الجريمة.
والضحية قد تكون بدورها طفلًا أو مراهقًا.
لذلك فإن حماية حقوق الطفل لا يمكن اختزالها في حماية الطفل المتهم؛ الطفل الضحية صاحب حقوق أيضًا، والدولة مسؤولة عن حمايته بالقدر نفسه.
هل كان تعليق القانون بهذا الاتساع هو الحل الوحيد؟
حماية القاصر من الاكتظاظ أو ظروف الاحتجاز غير الإنسانية تدخل في صميم واجبات الدولة والقضاء، لكن ذلك لا يمنع مناقشة مدى التدبير القضائي وتناسبه.
فإذا كانت المشكلة الأساسية هي قدرة مؤسسات الاحتجاز ومواردها، فمن المشروع قانونيًا التساؤل عما إذا كان تعليق تطبيق النظام الجديد لمدة 60 يومًا في كامل المقاطعة هو التدبير الضروري، أم كان من الممكن حماية القاصرين عبر أوامر قضائية أكثر تحديدًا، مثل ضبط الطاقة الاستيعابية للمؤسسات أو إلزام السلطة التنفيذية بإجراءات عاجلة أو معالجة أوضاع المراكز المتضررة.
طرح هذا السؤال لا يعني إعلان قرار القاضية غير قانوني، ولا نسبة دوافع سياسية إليها؛ الفصل في قانونية القرار ونطاق الاختصاص والتناسب يعود إلى القضاء المختص وطرق المراجعة والطعن.
لا دليل حتى الآن على أن التعليق سيزيد الجريمة
من غير المسؤول صحفيًا القول إن قرار التعليق سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع الجريمة؛ فلا توجد بعد بيانات تسمح بإثبات علاقة سببية كهذه.
وبالمثل، لا يمكن الادعاء دون دليل بأن بالغين سيستخدمون القاصرين لارتكاب الجرائم بسبب القرار.
لكن من المشروع أن تسأل السلطات الأمنية والنيابة العامة عن مخاطر استغلال الفئات العمرية التي تخضع لمعاملة قانونية مختلفة، وعن الإجراءات الموجودة لمنع تجنيد الأطفال والمراهقين أو استخدامهم في النشاط الإجرامي.
الفرق جوهري بين الادعاء بأن ذلك يحدث بسبب الحكم وبين مطالبة الدولة بتقييم الخطر ومنعه.
الدولة ليست مخيرة بين القاصر والضحية
جوهر المسألة قانونيًا أبسط من الاستقطاب السياسي المحيط بها.
الدستور يضمن حقوق المتهم، وLey 27.801 يضع ضمانات إضافية للقاصر ويشترط مؤسسات احتجاز متخصصة، والقانون نفسه يفرض مراعاة الضحية وعائلتها والأمن العام وحماية المجتمع، بينما يعزز Ley 27.372 حقوق ضحايا الجرائم.
وبالتالي لا يوجد في القانون خيار يقول: إما حقوق القاصر وإما أمن المواطن. الدولة ملزمة بالاثنين. وإذا كانت مؤسساتها غير مناسبة لاحتجاز القاصرين فعليها إصلاحها، وإذا كان المواطن معرضًا للجريمة فعليها حمايته، ولا ينبغي أن يدفع أحد الطرفين ثمن عجز المؤسسات عن تنفيذ الالتزام تجاه الطرف الآخر.
السؤال الحقيقي: ماذا حدث بين مارس وسبتمبر؟
التسلسل الزمني هو الجزء الأكثر أهمية في هذه القضية:
نُشر Ley 27.801 في مارس وحدد موعد نفاذه بعد 180 يومًا، وفي أبريل كانت Suprema Corte bonaerense تتحدث رسميًا عن صعوبات في تطبيق الإطار المحلي وعن تأثير القانون الوطني الجديد، ثم وصل سبتمبر ودخل النظام حيز التنفيذ، وبعد يومين صدر قرار قضائي بتعليقه لمدة 60 يومًا استنادًا، وفق ما نُشر، إلى مخاوف تتعلق بالبنية والموارد.
هذه الوقائع لا تثبت وحدها إهمال شخص بعينه، لكنها تفرض على السلطة التنفيذية والتشريعية في المقاطعة، وعلى الحكومة الوطنية ضمن اختصاصاتها، تقديم إجابة موثقة عما فعلته كل جهة خلال الأشهر الفاصلة.
الخاتمة: القانون يحمي الاثنين
لا ينبغي أن يتحول هذا الملف إلى صراع مصطنع بين حقوق الإنسان والأمن.
القاصر المتهم له حق دستوري وقانوني في الدفاع والمحاكمة العادلة والكرامة وظروف احتجاز إنسانية، لكن الضحية لها أيضًا حق في الحماية والعدالة، والمواطن البريء له حق في أن تقوم الدولة بوظيفتها.
والمشاهد اليومية لضحايا يستغيثون أمام كاميرات التلفزيون ووسائل التواصل لا ينبغي أن تصبح خلفية معتادة لنقاش مؤسساتي ينسى الإنسان الذي وقعت عليه الجريمة.
السؤال بعد تعليق Ley 27.801 لا يقتصر إذن على ما إذا كان القرار القضائي يحمي حقوق القاصرين، بل يمتد إلى سؤال آخر لا يقل شرعية:
من يحمي حقوق الضحايا والأبرياء، ومن يفسر للمجتمع لماذا وصلت المقاطعة إلى موعد تطبيق قانون كان معروفًا قبل أشهر ثم أصبح تطبيقه، بعد يومين فقط، موضع تعليق قضائي بسبب مشكلات كان يفترض أن تكون السلطات على علم بها؟
الجواب لا يحتاج إلى اتهامات ولا إلى شعارات.
يحتاج إلى نشر الوثائق والأرقام وتحديد ما قامت به كل سلطة ضمن اختصاصها.
حقوق الإنسان لا تتجزأ، ودولة القانون لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حقوق المتهم، بل أيضًا بقدرتها على حماية الضحية ومنع البريء من أن يصبح الضحية التالية.