قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: دراسة قانونية معمّقة في ضوء الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني
بقلم : د. عبد العزيز طارقجي
– صحافي استقصائي وباحث في الإنتهاكات الدولية لحقوق الإنسان
في البداية: تشريع داخلي يصطدم بقواعد دولية آمرة
إن القانون الذي أُقرّ بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين لا يمكن إدراجه ضمن نطاق السلطة التقديرية للتشريع الداخلي، لأن مبدأ سموّ الالتزامات الدولية على القوانين الوطنية يُعد من المبادئ المستقرة في الفقه والقضاء الدوليين. فالدولة، بمجرد انضمامها إلى المعاهدات الدولية، تصبح مُلزمة قانونًا بعدم سنّ تشريعات تتعارض مع تلك الالتزامات، وهو ما كرّسته المادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، التي تنص صراحة على أنه “لا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بأحكام قانونه الداخلي لتبرير عدم تنفيذها”.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في أكثر من مناسبة، لا سيما في رأيها الاستشاري بشأن الجدار العازل عام 2004، أن التزامات الدول في مجال القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان تبقى قائمة ومتزامنة، حتى في حالات النزاع المسلح والاحتلال، وأنه لا يجوز للدولة أن تتحلل من هذه الالتزامات بذريعة الضرورات الأمنية أو مكافحة الإرهاب. كما شددت المحكمة على أن هذه القواعد، في جوهرها، لا تندرج ضمن الالتزامات التعاقدية فحسب، بل إن جزءًا كبيرًا منها يرتقي إلى مستوى القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الانتقاص منها تحت أي ظرف.
وانطلاقًا من ذلك، فإن هذا القانون لا يمكن اعتباره مجرد تنظيم داخلي للعقوبات، بل هو فعل تشريعي يقع في تعارض مباشر مع منظومة قانونية دولية مُلزمة، تشمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات جنيف. فالمسألة هنا لا تتعلق بمدى ملاءمة العقوبة أو شدتها، بل بشرعية الأساس القانوني ذاته، إذ إن الدولة، في هذا السياق، لا تمارس سيادة مطلقة، بل تخضع لقيود قانونية دولية صارمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بسكان واقعين تحت الاحتلال.
وعليه، فإن هذا التشريع ينتقل من كونه قانونًا داخليًا إلى كونه مسألة ذات طابع دولي خاضعة لرقابة الشرعية الدولية، بما يفتح الباب أمام مساءلة قانونية تتجاوز الحدود الوطنية، سواء عبر آليات الأمم المتحدة أو من خلال القضاء الدولي، باعتباره نصًا يتعارض مع قواعد آمرة لا يجوز الخروج عليها أو الالتفاف حولها.
الحق في الحياة في الشرعة الدولية: نصوص صريحة وانتهاك مباشر
يُعدّ الحق في الحياة الركيزة الأساسية التي تقوم عليها منظومة حقوق الإنسان بأكملها، وهو حق ذو طبيعة آمرة لا يجوز المساس بجوهره تحت أي ظرف. فقد نصت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”، وهو نص لا يقرّ هذا الحق فحسب، بل يمنحه طابعًا كونيًا مطلقًا يتجاوز حدود السيادة الوطنية. كما جاءت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لتؤكد أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وأنه لا يجوز حرمان أي شخص منه تعسفًا، وهو تعبير قانوني دقيق يشمل ليس فقط الحرمان غير القانوني، بل أيضًا كل إجراء يتسم بعدم التناسب أو يفتقر للضمانات القضائية الصارمة.
وقد ذهبت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تفسيرها العام رقم 36 إلى أبعد من ذلك، حين أكدت أن الدول التي لم تُلغِ عقوبة الإعدام ملزمة بحصرها في “أشد الجرائم خطورة” وبشروط إجرائية صارمة، تشمل ضمان المحاكمة العادلة الكاملة، وحق الاستئناف، وإمكانية طلب العفو أو تخفيف الحكم. كما شددت اللجنة على أن أي توسّع في نطاق تطبيق هذه العقوبة، أو تحويلها إلى عقوبة إلزامية أو شبه تلقائية، يُعد انتهاكًا مباشرًا للمادة السادسة، ويُصنّف ضمن الحرمان التعسفي من الحياة.
غير أن القانون محل الدراسة ينقض هذه المعايير من أساسها، إذ يُحوّل عقوبة الإعدام من تدبير استثنائي محدود إلى قاعدة شبه عامة، ويُقرّ تنفيذها ضمن إطار زمني متسارع، مع تقليص فعلي لفرص الطعن أو العفو، وهو ما يُفرغ الضمانات القانونية من مضمونها ويحوّل الإجراء إلى عقوبة ذات طابع انتقامي أكثر منه قضائي. وفي سياق احتلال عسكري، حيث تتداخل السلطة القضائية مع السلطة الأمنية، يصبح خطر التعسف مضاعفًا، ويغدو تنفيذ الإعدام أقرب إلى الإعدام خارج إطار العدالة، حتى وإن تم تغليفه بإجراءات شكلية.
وقد حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن هذا النوع من التشريعات لا يشكل فقط انتهاكًا للحق في الحياة، بل يمثل تراجعًا خطيرًا عن المعايير الدولية المستقرة، خاصة عندما يقترن بطابع تمييزي وغياب لضمانات المحاكمة العادلة. وبذلك، فإن الإعدام في هذا السياق لا يمكن اعتباره تنفيذًا مشروعًا لعقوبة، بل يُصنّف قانونًا كحرمان تعسفي من الحياة، وهو أحد أخطر الانتهاكات التي يجرّمها القانون الدولي.
مبدأ عدم التمييز: مخالفة صريحة لقاعدة آمرة
يُعد مبدأ عدم التمييز من الركائز الجوهرية التي يقوم عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ليس مجرد مبدأ توجيهي، بل قاعدة قانونية آمرة لا يجوز الخروج عليها تحت أي ظرف. فقد نصت المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “الناس جميعًا سواء أمام القانون”، وأن لهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أي تمييز، وهو ما يعكس جوهر العدالة القانونية باعتبارها قائمة على المساواة لا على الهوية. كما جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليؤكد في مادته الثانية أن الدول تلتزم باحترام وضمان الحقوق الواردة فيه دون تمييز من أي نوع، بما في ذلك التمييز القائم على الأصل القومي أو العرقي، وهو نص يُلزم الدولة ليس فقط بالامتناع عن التمييز، بل أيضًا بمنع أي ممارسة أو تشريع يؤدي إلى تكريسه.
وقد ذهبت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تفسيرها العام إلى التأكيد على أن مبدأ المساواة أمام القانون يشمل تكافؤ المعاملة أمام المحاكم، وأن إنشاء أنظمة قضائية مختلفة لفئات سكانية مختلفة، إذا استند إلى معايير عرقية أو قومية، يُعد انتهاكًا مباشرًا للعهد الدولي. وهذا التفسير يكتسب أهمية خاصة في الحالات التي تُستخدم فيها المحاكم العسكرية لمحاكمة فئة معينة من السكان، في حين تُحال فئة أخرى إلى محاكم مدنية تتمتع بضمانات أوسع.
وفي هذا السياق، يظهر القانون محل الدراسة كنموذج واضح لنظام قانوني مزدوج يقوم على التمييز، حيث يُطبّق على الفلسطينيين ضمن إطار قضائي عسكري محدود الضمانات، بينما لا يخضع الإسرائيليون لنفس المنظومة، حتى في حالات متشابهة من حيث طبيعة الأفعال. هذا التفاوت في المعاملة لا يمكن تبريره بالاعتبارات الأمنية، لأن القانون الدولي يرفض أي تمييز قائم على الهوية، حتى في حالات النزاع. وقد اعتبرت الأمم المتحدة أن هذا القانون يحمل طابعًا “تمييزيًا عميقًا”، وهو توصيف قانوني يتجاوز النقد السياسي إلى الإدانة القانونية، لأنه يضع التشريع ضمن إطار الانتهاكات المرتبطة بالاضطهاد المنهجي.
ولا يقف الأمر عند حدود المخالفة التعاهدية، بل يتجاوزها إلى مستوى القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، حيث يُعتبر حظر التمييز العنصري من المبادئ التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الانتقاص منها. وقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا الفهم في اجتهاداتها، معتبرة أن التمييز القائم على أساس العرق أو الأصل القومي يشكل انتهاكًا خطيرًا يترتب عليه مسؤولية دولية مشددة. وعليه، فإن هذا القانون لا يُعد مجرد تشريع غير عادل، بل يمثل إخلالًا جوهريًا ببنية النظام القانوني الدولي، ويمهّد لتكييفه ضمن أنماط الانتهاكات التي قد ترقى إلى مستوى الاضطهاد الممنهج.
المحاكمة العادلة: انهيار الضمانات القانونية الأساسية
يُعدّ الحق في المحاكمة العادلة أحد الأعمدة المركزية في منظومة العدالة الدولية، إذ لا يكتسب أي إجراء جنائي شرعيته إلا من خلال احترام الضمانات الإجرائية التي تكفل تحقيق العدالة، لا مجرد إصدار الأحكام. وقد نصت المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل إنسان في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة، وهو نص يؤسس لمعيار موضوعي لا يجوز الانتقاص منه، خاصة في القضايا التي تمس الحق في الحياة. كما جاءت المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لتفصّل هذه الضمانات، مؤكدة على قرينة البراءة، وحق الدفاع، وحق الاستعانة بمحامٍ، وحق الطعن في الأحكام أمام جهة قضائية أعلى، باعتبارها شروطًا لازمة لأي محاكمة تُوصف بأنها عادلة.
وقد شددت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تفسيرها العام رقم 32 على أن هذه الضمانات تكتسب طابعًا أكثر صرامة في القضايا التي قد تنتهي بعقوبة الإعدام، بحيث لا يكفي الالتزام الشكلي بالإجراءات، بل يجب أن تتحقق العدالة الفعلية من خلال قضاء مستقل ومحايد يتمتع بكامل الضمانات المؤسسية. كما أكدت اللجنة أن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية تُعد، في الأصل، استثناءً يجب تضييقه إلى أقصى حد، وأن استخدامها بشكل واسع أو منهجي يُعد مؤشرًا على غياب الضمانات القضائية.
وفي هذا السياق، فإن تطبيق القانون محل الدراسة عبر محاكم عسكرية في بيئة احتلال يُثير إشكاليات قانونية عميقة، لأن هذه المحاكم، بحكم بنيتها، تخضع للسلطة العسكرية ذاتها التي تمارس السيطرة على الأرض والسكان، ما يخلق تضاربًا جوهريًا بين وظيفة القضاء ومتطلبات السلطة الأمنية. إن نسب الإدانة المرتفعة التي تسجلها هذه المحاكم ليست مجرد مؤشر إحصائي، بل تعكس خللًا بنيويًا في ميزان العدالة، حيث تصبح المحاكمة أقرب إلى إجراء شكلي يهدف إلى تثبيت قرار مسبق، لا إلى البحث الموضوعي عن الحقيقة.
ويزداد هذا الخلل خطورة مع تقليص فرص الاستئناف والعفو، وتسريع تنفيذ الأحكام، وهي عناصر تُفرغ الحق في الطعن من مضمونه، وتحوّل الحكم إلى قرار نهائي شبه فوري، في مخالفة صريحة لمبدأ التقاضي على درجتين، الذي يُعد ضمانة أساسية ضد الأخطاء القضائية. وقد اعتبرت منظمة العفو الدولية أن هذا الإطار القضائي، بحد ذاته، لا يفي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وأن الجمع بين محاكم عسكرية محدودة الضمانات وعقوبة الإعدام يشكل انتهاكًا مضاعفًا، لأن الخلل الإجرائي في هذه الحالة لا يؤدي فقط إلى ظلم قضائي، بل إلى نتيجة لا رجعة فيها تتمثل في إزهاق الحق في الحياة.
وعليه، فإن هذا القانون لا يقتصر على المساس بالإجراءات، بل يقوّض الأساس القانوني لفكرة العدالة ذاتها، إذ يحوّل المحاكمة من وسيلة لحماية الحقوق إلى أداة لإضفاء مظهر قانوني على إجراء عقابي خطير، وهو ما يجعل أي حكم يصدر في هذا السياق فاقدًا لمشروعيته وفق المعايير الدولية.
اتفاقيات جنيف الرابعة: قيود صارمة على سلطة الاحتلال
بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يُعدّ السكان الفلسطينيون في الأراضي المحتلة “أشخاصًا محميين”، وهو توصيف قانوني يفرض على سلطة الاحتلال التزامات محددة لا يجوز تجاوزها تحت أي ذريعة. فالقانون الدولي الإنساني لا يمنح القوة القائمة بالاحتلال سلطة سيادية مطلقة، بل يقيدها بإطار قانوني صارم يهدف إلى حماية السكان المدنيين وضمان الحد الأدنى من الحقوق الأساسية، حتى في ظل النزاع. وقد نصت المادة 64 من الاتفاقية على أن سلطة الاحتلال لا يجوز لها تعديل التشريعات المحلية إلا في حدود الضرورة الأمنية أو لضمان تطبيق أحكام الاتفاقية نفسها، وهو قيد جوهري يمنع إدخال تغييرات تشريعية ذات طابع عقابي أو ردعي خارج هذا الإطار الضيق.
كما جاءت المواد من 66 إلى 75 لتضع منظومة متكاملة من الضمانات القضائية، حيث ألزمت سلطة الاحتلال بإنشاء محاكم تتوافر فيها شروط الاستقلال والحياد، وضمان حق الدفاع، وحق الاستئناف، وعدم إصدار عقوبات إلا وفق إجراءات قانونية عادلة. وقد شددت هذه النصوص على أن أي محاكمة تجري في ظل الاحتلال يجب أن تحترم المبادئ الأساسية للعدالة، وألا تتحول إلى أداة للسيطرة أو الردع السياسي. وفي هذا السياق، فإن فرض عقوبة الإعدام عبر محاكم عسكرية تفتقر إلى الاستقلال الكامل، مع تقليص فرص الطعن والعفو، يمثل خروجًا واضحًا عن هذه الضمانات، ويقوّض الغاية الأساسية التي سعت الاتفاقية إلى تحقيقها، وهي حماية الإنسان في زمن الحرب، لا تعريضه لعقوبات استثنائية.
ولا يقف التعارض عند حدود الإجراءات، بل يمتد إلى طبيعة العقوبة ذاتها، إذ إن استخدام الإعدام في سياق سياسي أو أمني عام، كوسيلة للردع أو السيطرة على السكان، يثير شبهة إدراجه ضمن مفهوم “العقوبات الجماعية” المحظورة بموجب المادة 33 من الاتفاقية، التي تنص صراحة على حظر معاقبة الأشخاص على أفعال لم يرتكبوها بشكل فردي، أو استخدام العقوبات كوسيلة ضغط جماعي. وقد فسرت الهيئات الدولية هذا الحظر بشكل واسع، ليشمل كل إجراء عقابي يتجاوز الطابع الفردي للعدالة ويأخذ بعدًا ردعيًا موجّهًا إلى جماعة سكانية بأكملها.
وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، باعتبارها الجهة الحارسة لاتفاقيات جنيف، أن تطبيق العقوبات في الأراضي المحتلة يجب أن يظل خاضعًا لمعايير صارمة من الضرورة والتناسب والعدالة، وأن أي انحراف عن هذه المعايير قد يشكل انتهاكًا جسيمًا للاتفاقية. وفي هذا الإطار، فإن القانون محل الدراسة لا يُعد مجرد مخالفة إجرائية، بل يمثل خرقًا واضحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ويقع ضمن الأفعال التي قد تُصنّف كـ“انتهاكات جسيمة”، بما يترتب عليها من مسؤولية دولية، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المسؤولية الجنائية الفردية.
وعليه، فإن هذا التشريع لا يمكن تبريره ضمن صلاحيات سلطة الاحتلال، بل يُعد تجاوزًا خطيرًا للقيود التي فرضها القانون الدولي، وتحويلًا لمنظومة العدالة من أداة حماية إلى وسيلة عقاب خارج الإطار المشروع الذي رسمته اتفاقيات جنيف.
حظر العقوبات القاسية وغير الإنسانية
يُعدّ حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من المبادئ الأساسية الراسخة في القانون الدولي، وهو حظر ذو طبيعة مطلقة لا يقبل أي استثناء، حتى في حالات الطوارئ أو النزاعات المسلحة. فقد نصت المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه “لا يجوز إخضاع أي إنسان للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”، وهو نص يُكرّس حماية الكرامة الإنسانية كقيمة قانونية عليا. كما جاءت اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984 لتؤكد هذا الحظر بشكل أكثر صرامة، حيث ألزمت الدول باتخاذ كافة التدابير اللازمة لمنع أي شكل من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية، دون السماح بأي مبرر، سواء كان أمنيًا أو سياسيًا.
وفي السياق ذاته، وسّعت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من تفسير هذا الحظر، معتبرة أن العقوبات التي تُنفذ في إطار يفتقر إلى الضمانات القضائية الأساسية، أو تتسم بطابع تمييزي، أو تُطبق بطريقة مهينة أو قاسية، يمكن أن تندرج ضمن نطاق المعاملة اللاإنسانية، حتى وإن كانت، في أصلها، عقوبات منصوصًا عليها في القانون الداخلي. وهذا التفسير يكتسب أهمية خاصة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، التي وإن لم تُحظر بشكل مطلق في جميع الأنظمة القانونية، إلا أن مشروعيتها تبقى مشروطة بقيود صارمة تتعلق بالإجراءات والظروف المحيطة بتنفيذها.
غير أن القانون محل الدراسة يتجاوز هذه القيود، إذ يقترن تطبيق عقوبة الإعدام فيه بعوامل متعددة تُفقدها أي غطاء قانوني مشروع، من بينها غياب المحاكمة العادلة بالمعايير الدولية، والطابع التمييزي في التطبيق، وتسريع إجراءات التنفيذ، إلى جانب تقليص أو إلغاء فرص العفو أو تخفيف الحكم. إن اجتماع هذه العناصر لا يحوّل العقوبة إلى مجرد إجراء قانوني مشدد، بل ينقلها إلى مستوى المعاملة القاسية وغير الإنسانية، لأن العقوبة هنا لا تُمارس ضمن إطار العدالة، بل في سياق يفتقر إلى التوازن والضمانات، ويُنتج أثرًا عقابيًا يتجاوز حدود المشروعية.
وقد أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن تطبيق عقوبة الإعدام في ظل غياب الضمانات الأساسية، أو ضمن نظام قضائي غير مستقل، يُعد انتهاكًا مزدوجًا، لأنه لا يمس فقط الحق في الحياة، بل ينتهك أيضًا حظر المعاملة القاسية واللاإنسانية. وعندما تُقرن هذه العقوبة بحرمان فعلي من إمكانية العفو، وتسريع في التنفيذ يحدّ من فرص المراجعة القضائية، فإنها تقترب من مفهوم “الإعدام التعسفي”، الذي يُعد من أخطر أشكال الانتهاك في القانون الدولي، لما ينطوي عليه من إنكار للعدالة والكرامة الإنسانية في آن واحد.
وعليه، فإن هذا القانون لا يُخالف فقط القيود الإجرائية المرتبطة بعقوبة الإعدام، بل يتجاوزها إلى انتهاك جوهري لمبدأ مطلق في القانون الدولي، وهو حظر المعاملة القاسية وغير الإنسانية، بما يضعه ضمن دائرة الانتهاكات الجسيمة التي لا يمكن تبريرها أو التخفيف من حدّتها تحت أي ظرف.
التكييف الجنائي الدولي: نحو توصيف كجريمة حرب أو جريمة اضطهاد
إن خطورة هذا القانون لا تتوقف عند حدود مخالفته لقواعد القانون الدولي، بل تمتد إلى إمكانية تكييف آثاره ضمن إطار المسؤولية الجنائية الدولية، وفق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يشكّل المرجعية القانونية الأهم في تحديد الجرائم الدولية ومساءلة مرتكبيها. فقد نصت المادة الثامنة من النظام على أن إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون محاكمة عادلة تتوافر فيها الضمانات القضائية المعترف بها دوليًا يُعد من قبيل جرائم الحرب، خاصة عندما يتم ذلك بحق أشخاص محميين في سياق نزاع مسلح أو احتلال. وهذا النص لا يكتفي بتجريم الأفعال المباشرة، بل يشمل أيضًا كل منظومة قانونية أو إجرائية تؤدي إلى نتيجة غير مشروعة، بما في ذلك التشريعات التي تشرعن الإعدام في ظل غياب العدالة.
وفي السياق ذاته، تنص المادة السابعة من النظام ذاته على أن الاضطهاد القائم على أساس قومي أو عرقي، إذا تم في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد مجموعة من السكان المدنيين، يُعد جريمة ضد الإنسانية. ولا يُشترط في هذا السياق استخدام القوة العسكرية المباشرة، بل يكفي أن يكون هناك نمط من السياسات أو التشريعات التي تستهدف فئة محددة وتؤدي إلى حرمانها من حقوقها الأساسية على نحو منهجي. وعليه، فإن الطابع التمييزي لهذا القانون، الذي يستهدف الفلسطينيين ضمن نظام قانوني مختلف، يمكن أن يدخل ضمن مفهوم “الاضطهاد” إذا ثبت ارتباطه بسياسة عامة تهدف إلى تكريس التمييز أو القمع.
إن الجمع بين عناصر التمييز القائم على الهوية، وغياب ضمانات المحاكمة العادلة، وتطبيق العقوبة القصوى في سياق احتلال، لا يُنتج مجرد مخالفة قانونية، بل يُشكّل بيئة قانونية قابلة للتوصيف الجنائي الدولي. فالإعدام، عندما يتم في ظل هذه الظروف، لا يُعد تنفيذًا لحكم قضائي مشروع، بل يمكن اعتباره فعلًا مجرّمًا بموجب القانون الدولي، خاصة إذا تم تنفيذه بشكل متكرر أو ضمن إطار سياسة منهجية. وقد أكدت الأمم المتحدة في مواقفها وتحذيراتها أن تطبيق هذا النوع من القوانين، في حال تنفيذه فعليًا، قد يرقى إلى جريمة حرب، لما ينطوي عليه من انتهاك صارخ للضمانات الأساسية للمحاكمة، ولحقوق الأشخاص المحميين بموجب القانون الدولي الإنساني.
ولا تقتصر الآثار القانونية لهذا التكييف على مستوى الدولة، بل تمتد إلى المسؤولية الجنائية الفردية، حيث يتيح نظام روما ملاحقة الأفراد الذين يشاركون في سنّ أو تنفيذ أو الإشراف على هذه السياسات، سواء كانوا من صناع القرار أو من القائمين على تنفيذ الأحكام. وهذا ما يمنح هذا القانون بُعدًا خطيرًا يتجاوز الإطار السياسي، ليضعه ضمن دائرة الأفعال التي قد تستوجب مساءلة دولية شخصية، لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن التحصن ضدها بالحصانات التقليدية.
وعليه، فإن هذا القانون، في حال تطبيقه، لا يظل مجرد نص تشريعي مثير للجدل، بل يتحول إلى أداة قانونية يمكن أن تُستخدم كأساس لتكييف أفعال تدخل ضمن أخطر الجرائم الدولية، بما يفتح الباب أمام تدخل القضاء الدولي، ويضع المسؤولين عنه أمام احتمالات مساءلة تتجاوز حدود النظام القضائي الوطني.
في الختام: من عدم الشرعية إلى الانتهاك الجسيم والقتل العمد وفق القانون الدولي
إن هذا القانون لا يمكن توصيفه كمجرد مخالفة قانونية عادية أو حتى تشريع مثير للجدل، بل هو نموذج صارخ لانتهاك مركّب يمس جوهر النظام القانوني الدولي، ويقع في صلب الأفعال المحظورة بموجب القواعد الآمرة. فإسرائيل، وفقًا للتكييف القانوني المستقر في الفقه الدولي وقرارات الأمم المتحدة وآراء محكمة العدل الدولية، تُعد قوة قائمة بالاحتلال في الأراضي الفلسطينية، وهو ما كرّسه الرأي الاستشاري للمحكمة بشأن الجدار عام 2004، حيث أكدت أن اتفاقيات جنيف الرابعة تنطبق بالكامل على هذه الأراضي، وأن السكان الفلسطينيين يتمتعون بوضع “الأشخاص المحميين”.
وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا تملك سلطة الاحتلال حق فرض تشريعات عقابية تتجاوز حدود الضرورة، ولا يحق لها إنشاء نظام قضائي استثنائي يُستخدم كأداة ردع أو قمع. وقد نصت المادة 64 من الاتفاقية على تقييد السلطة التشريعية للاحتلال، فيما أكدت المواد 66 وما يليها ضرورة احترام الضمانات القضائية الكاملة، بينما حظرت المادة 33 صراحة أي شكل من أشكال العقوبات الجماعية أو الإجراءات الانتقامية. وعليه، فإن فرض عقوبة الإعدام في هذا السياق، وضمن نظام قضائي يفتقر إلى الاستقلال والحياد، يشكل خروجًا واضحًا عن هذه القيود، ويمثل استخدامًا غير مشروع للسلطة.
ولا يقف الأمر عند حدود عدم الشرعية، بل يتجاوزها إلى توصيف أشد خطورة، إذ إن تنفيذ الإعدام استنادًا إلى قانون غير مشروع صادر عن سلطة احتلال، وفي ظل غياب المحاكمة العادلة، يُعد في جوهره حرمانًا تعسفيًا من الحياة، وهو ما يرتقي قانونًا إلى مستوى القتل العمد وفق المفهوم الدولي. وقد نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مادته الثامنة على أن “إصدار الأحكام وتنفيذها دون محاكمة عادلة” يُعد من جرائم الحرب، كما يندرج القتل العمد للأشخاص المحميين ضمن أخطر الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب المساءلة الجنائية الفردية. وبذلك، فإن أي تنفيذ فعلي لهذه الأحكام لا يمكن تكييفه كإجراء قضائي مشروع، بل كفعل مجرّم دوليًا، مهما تم تغليفه بنصوص قانونية داخلية.
إن هذا القانون، في بنيته وتطبيقه، يجمع بين خرق الحق في الحياة كما نصت عليه المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وانتهاك مبدأ عدم التمييز، وتقويض ضمانات المحاكمة العادلة، ومخالفة صريحة لقواعد الاحتلال، ما يجعله نموذجًا متكاملًا لما يُعرف في القانون الدولي بـ“الانتهاكات الجسيمة”. وهذه الانتهاكات، بحكم طبيعتها، لا تسقط بالتقادم، وتُرتب مسؤولية دولية على عاتق الدولة، ومسؤولية جنائية فردية على عاتق القائمين على تنفيذها أو إصدارها أو الإشراف عليها.
وعليه، فإن خطورة هذا القانون لا تكمن فقط في نصه، بل في وظيفته كأداة لإضفاء مظهر قانوني على فعل محظور دوليًا، هو القتل خارج إطار العدالة. وهو ما ينزع عنه أي شرعية، ويضعه في مصاف الأفعال التي لا يمكن تبريرها تحت أي غطاء، سواء أمني أو سياسي، بل تستوجب، بحكم القانون، المساءلة الدولية الفورية، باعتباره انتهاكًا جسيمًا لحقوق الإنسان، وخرقًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، واعتداءً مباشرًا على أحد أقدس الحقوق التي كفلها القانون الدولي، وهو الحق في الحياة.

