الجمعة، 31 يوليو 2026 news@a-tarekji.com.ar 005491158873778

عبد الحكيم قطيفان… صوتُ الحرية الذي لا يخفت

عبد الحكيم قطيفان… صوتُ الحرية الذي لا يخفت

✍️ بقلم: د. عبد العزيز طارقجي

في زمنٍ يختلط فيه القتل بالخطابة، وتُرفع فيه الشعارات على أنقاض القيم، يظلّ بعض الرجال كالأشجار العتيقة: واقفين بكرامة، راسخين بالحق، لا تنال من جذورهم الأعاصير، ولا تنكسر هاماتهم مهما اشتدّ الظلم. ومن بين هؤلاء القلّة القليلة، يبرز الفنان السوري عبد الحكيم قطيفان، لا كمجرد ممثل موهوب، بل كرمز حرّ، اختار درب الكرامة حين راوغ الكثيرون، وسلك طريق الثورة حين باع آخرون أرواحهم للديكتاتور.

 

رجلٌ من نور في زمنٍ معتم
لم يكن عبد الحكيم قطيفان فنانًا عابرًا في المشهد السوري، بل كان — ولا يزال — وجهًا مألوفًا في وجدان السوريين. رجلٌ يحمل في قسمات وجهه ملامح الشام الحزينة، وحرارة الألم والصدق في صوته، والعنفوان الذي يليق بمن صرخ في وجه الطغيان قائلًا: “لا”.

وُلد قطيفان في درعا، مهد الثورة السورية، وكأن القدر شاء أن يولد في الأرض التي ستُشعل الشرارة الأولى للحرية. تخرّج من المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وبدأ رحلته الفنية بإبداع وتميّز، فشارك في عشرات الأعمال التلفزيونية التي حُفرت في ذاكرة المشاهد العربي، من نهاية رجل شجاع إلى التغريبة الفلسطينية، وغيرها من المسلسلات التي حملت روحه الصادقة وأداءه الذي يمزج بين الإحساس والحرفية العالية.

 

الثمن الباهظ للحرية
لكن ما يُميّز قطيفان ليس فقط موهبته الفنية، بل إنسانيته ومواقفه الأخلاقية. حين خرج السوريون مطالبين بحريتهم في وجه أكثر الأنظمة بطشًا، لم يتردد قطيفان في الانحياز للناس، للصوت المخنوق، للدمعة المكظومة، لليتيم والمعتقل والمهجّر. لم يقف في منتصف الطريق، ولم يختبئ خلف حيادٍ كاذب. بل قال كلمته الواضحة، ودفع ثمنها من حياته، فتمّ ملاحقته، وتهديده، وتهجيره. لكنه بقي ثابتًا، كما يليق برجل حرّ.

 

أخلاقٌ إنسانية نادرة
يتمتع عبد الحكيم قطيفان بأخلاق نادرة في هذا العصر الرديء. يُعرف بتواضعه، ودفء حديثه، وحرصه على الدفاع عن كل مظلوم، سواء في سوريا أو خارجها. لا يتحدث من برجٍ عاجي، ولا يبحث عن مجدٍ شخصي، بل يتنفس الصدق، ويعيش قضيته كجزء من كيانه. لم يتخلَّ عن شعبه، ولم يبدّل جلده، بل ظلّ، رغم المنافي، يرفع راية الكرامة، ويبكي لأجل بلاده، كما يبكي الأب على ولده الجريح.

 

تحية إلى رجلٍ لا يُشبه إلا نفسه
من قلبي، أكتب إليك يا عبد الحكيم قطيفان، يا وجهًا من وجوه الثورة النبيلة، يا رجلًا لم تنحنِ قامته أمام الديكتاتورية، ولا أمام الإغراءات أو الخوف. أحبك كما يحبّ السوريون الحرية، وأحترمك كما تُحترم الحقيقة. أرجو لك العمر المديد، والتألق الدائم، والصحة التي تليق بروحك النقية.

سيذكرك السوريون، وسيذكرك الأحرار، وستروي الأجيال القادمة سيرتك كما تُروى سيرة المقاومين النبلاء. فالفن حين يقترن بالشرف، يصبح رسالة خالدة، وأنت أوصلت الرسالة كما يجب، وكنت صوتًا لمن لا صوت لهم.

 

وأخيرًا…
في زمنٍ تهاوت فيه القيم وتورط الكثير في صفقات الذل، يبقى عبد الحكيم قطيفان عنوانًا للنزاهة والموقف، لرجلٍ رفض أن يكون ظلًا للجلاد، وفضّل أن يكون وجهًا للشعب، حتى لو كلفه ذلك المنفى والجراح. فله منّا التحية، ومن التاريخ الذكرى التي لا تموت.

 

 

✍️ د. عبد العزيز طارقجي

صحافي استقصائي، و باحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان

www.a-tarekji.com.ar

شارك المعرفة

مشاركة الموضوع

أدوات المقال
البريد