✍️ بقلم: د. عبد العزيز طارقجي
مقدمة:
في منطقةٍ تُمزّقها الحروب، وتخنقها المحاور الإقليمية، نشأت شبكة تهريبٍ عابرة للحدود، تمتد من البصرة جنوب العراق، حتى سهل البقاع في لبنان، مرورًا بالصحراء السورية المترامية.
ليست هذه الشبكة مجرد عصابات إجرامية تسعى للربح السريع، بل هي بنية تحتية موازية تعمل فوق أنقاض الدولة الرسمية، وتحظى برعاية قوى سياسية وعسكرية عابرة للحدود.
تتكامل هذه الشبكات مع مشروع جيوسياسي أوسع، حيث تُستخدم كأدوات تمويل غير تقليدي للميليشيات، ومصدر نفوذ للفاعلين الخارجين عن القانون.
إنها منظومة من العلاقات المتشابكة بين الميليشيات، والمهربين، ورجال أعمال فاسدين، وأمنيين متواطئين، ومؤسسات دينية تُستخدم كواجهة شرعية لأنشطة غير شرعية.
هذا الاقتصاد الأسود لا يقتصر على تهريب السلاح والمخدرات، بل يشمل تجارة البشر، وتزوير الوثائق، وغسل الأموال، وحتى بيع الآثار المسروقة من مناطق النزاع.
إنها ليست فقط تجارة غير شرعية، بل شريان اقتصادي خفي يمول حروب الظل ويديم بقاء كيانات خارجة عن القانون داخل دول تتآكل من الداخل، ويعيد رسم معادلات القوة في الإقليم وفق منطق السلاح لا منطق السيادة. ويديم بقاء كيانات خارجة عن القانون داخل دول تتآكل من الداخل.
1 – مسار التهريب: من البصرة إلى بعلبك
لا يشكّل طريق التهريب الممتد من جنوب العراق إلى لبنان مجرّد معبر لمرور الشحنات غير الشرعية، بل هو شريان متكامل يمتد على آلاف الكيلومترات ويخضع لإدارة دقيقة من قبل تحالفات ميليشياوية تعمل بتنسيق لوجستي وعسكري وأمني عابر للحدود.
تبدأ الرحلة من محافظات الجنوب العراقي، وتحديدًا البصرة وميسان، حيث تنشط خلايا تابعة لميليشيات محلية في عمليات تحميل المواد المهربة، التي تتراوح بين السلاح، وشرائح الاتصال المتطورة، وأقراص الكبتاغون.
تُنقل هذه الحمولة عبر شاحنات مدنية مموّهة تمر بصحراء الأنبار، متجاوزة نقاط التفتيش التابعة للأجهزة الأمنية العراقية، والتي غالبًا ما تكون مخترقة أو متواطئة بفعل الرشى أو التهديد.
عند الوصول إلى الحدود السورية، تدخل القوافل أراضي دير الزور وتدمر وتتمركز في مستودعات مؤقتة تحرسها مجموعات محلية مرتبطة بـ “الحرس الثوري الإيراني”، وتُجرى هناك عمليات إعادة تغليف وتوزيع بحسب الوجهات، سواء نحو لبنان أو نحو الجنوب السوري.
وتمر الشحنات عبر معابر غير رسمية أو أنفاق ترابية، يصعب حتى على الأقمار الصناعية رصدها.
في لبنان، تُستقبل الشحنات في مناطق البقاع، وتحديدًا في بعلبك والهرمل، حيث تتولى خلايا تابعة لـ”حزب الله” مرحلة التخزين والتوزيع.
يتم نقل الكميات إلى الضاحية الجنوبية، أو تُعاد تصديرها عبر مرافئ ومطارات فرعية نحو أفريقيا أو أوروبا، مستخدمة جوازات مزورة وشركات شحن وهمية.
لكن الأخطر من كل ذلك هو استخدام هذا المسار في تهريب عناصر بشرية، بعضهم أطفال جُنّدوا من مخيمات سوريا أو أحياء بغداد الفقيرة، ليُستخدموا لاحقًا كناقلين أو مقاتلين أو حتى أدوات انتحارية.
كما تُهرّب معدات دقيقة تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما يجعل هذا المسار جزءًا من البنية العسكرية للمحور الإيراني لا مجرد نشاط إجرامي عابر.
2 – من يموّل من؟ تبادل مصالح وتكافل مظلم
على عكس الصورة النمطية التي تقدم “حزب الله” كجهة ممولة تتلقى دعمًا ماليًا مباشرًا من إيران وتغذي شركاءها الإقليميين، كشفت السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ تشديد العقوبات الأميركية بعد 2018، عن تحولات عميقة في شبكة التمويل. فالاختناق المالي الذي تعرّض له الحزب جعله يبحث عن مصادر بديلة ومرنة، ووجد ضالته في العراق، حيث تسيطر ميليشيات الحشد الشعبي – خاصة “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” – على معابر حدودية وموانئ ومناطق نفطية.
هذه الميليشيات العراقية تُنتج ما يُعرف بـ “الكاش الخام” من تهريب النفط، وفرض الإتاوات، وتجارة الكبتاغون والسلاح، ثم تضخ جزءًا من هذا المال في شبكات دعم لوجستي يمتد نحو سوريا ولبنان.
في المقابل، يقدم “حزب الله” خدمات لا تقدر بثمن: تأمين طرق تصدير الشحنات، توفير الغطاء الديني والسياسي، تبييض الأموال عبر شبكاته في لبنان والمهجر، والترويج عبر قنوات دينية واجتماعية تخترق مجتمعات أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
هكذا، بات المشهد أقرب إلى “تبادل أدوار” وتكافل مظلم: العراق يموّل، ولبنان ينسّق ويغسل ويوزّع.
وضمن هذا التناغم، لا توجد جهة أقوى أو أضعف، بل شبكة متشابكة تتكامل في المهام والمصالح وتستند إلى غطاء سياسي طائفي يعطل أي رقابة أو محاسبة.
السؤال الذي يُطرح اليوم لم يعد: من يموّل من؟ بل: إلى أي مدى أصبحت هذه المنظومة متداخلة إلى درجة لا يمكن فيها فصل الدور عن التمويل، أو التمييز بين القاتل والمُنفّذ، أو بين العرّاب والمُهرّب؟
3 – الفاعلون الرئيسيون: أدوار تتجاوز الحدود
لا يمكن فهم شبكة التهريب من العراق إلى لبنان دون تحليل دقيق لهوية اللاعبين الأساسيين، وهم ليسوا مجرد عصابات هامشية بل كيانات عسكرية – سياسية مترابطة، تتوزع الأدوار بينها وفق منطق التخصص والموقع والقدرة على التأثير والسيطرة.
- في العراق:
تتولى “كتائب حزب الله” و”عصائب أهل الحق” إدارة مفاصل التهريب في الجنوب العراقي والحدود الغربية. هاتان الميليشيتان تتمتعان بغطاء رسمي وشبه رسمي، من خلال اختراق أجهزة الدولة، لاسيما في وزارتي الدفاع والداخلية، بالإضافة إلى سيطرتهما غير المباشرة على بعض المعابر الجمركية والموانئ.
تقوم هذه الجماعات بجمع الأموال من خلال فرض إتاوات على الشاحنات العابرة، وتسهيل مرور شحنات الكبتاغون والسلاح مقابل مبالغ نقدية ضخمة، وغالبًا ما يتم ذلك بعلم، أو بمشاركة، ضباط فاسدين في الأجهزة الأمنية.
- في سوريا:
تلعب الميليشيات الموالية لإيران ((قبل سقوط نظام الأسد)) دورًا محوريًا في تمرير القوافل من العراق إلى لبنان. وتُعد مناطق دير الزور والقصير محطات لوجستية أساسية. هناك، يتم استقبال الشحنات، تخزينها مؤقتًا، إعادة تغليفها، وتوزيعها حسب الوجهة.
الميليشيات مثل “فاطميون” و”زينبيون”، إلى جانب وحدات من الفرقة الرابعة التابعة للنظام السوري ((قبل سقوطه)) ، توفر الحماية للطرق والمعابر غير الشرعية، مقابل نسبة من العائدات أو دعم لوجستي من طهران.
- في لبنان:
“حزب الله” لا يُعد مجرد طرف مستقبل، بل هو العقل المدبّر والذراع المنفّذ داخل الأراضي اللبنانية. يحتكر الحزب كامل سلسلة الإمداد، بدءًا من التخزين في مناطق البقاع، مرورًا بعمليات إعادة توزيع داخل السوق المحلية، وصولًا إلى التهريب البحري من مرفأ صور، والتهريب البري عبر شبكات طرق جبلية سرّية نحو شمال لبنان.
كما يعتمد الحزب على شبكة صرافين وتجار وشركات وهمية تعمل كغطاء للأنشطة، مما يجعله ليس فقط الطرف الأهم في المرحلة الأخيرة، بل حجر الزاوية في دورة التهريب الإقليمية.
4 – البنية المالية: منظومة الحوالة وغسيل الأموال
في قلب هذه الشبكة العابرة للحدود، تقف بنية مالية موازية تعمل في الظل، بعيدًا عن أعين المصارف المركزية أو الأنظمة الرقابية. إنها منظومة لا تقل تعقيدًا عن شحنات السلاح والمخدرات، بل تُعد العمود الفقري الذي يضمن استمرارية التهريب، ويحمي أرباحه من التتبع القانوني.
تعتمد هذه الشبكة على نظام الحوالة التقليدي، وهو نظام قديم يُستخدم غالبًا في المجتمعات التي تعاني من ضعف البنية المصرفية أو في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة. في هذا السياق، تتحول مدن مثل بغداد، النجف، كربلاء إلى مراكز رئيسية لإرسال الأموال عبر مكاتب صرافة غير مرخّصة، أو حتى من خلال تجار الذهب والحوالات اليدوية، والتي لا تترك أثرًا مصرفيًا أو سجلًا ماليًا.
عند الطرف الآخر، تستقبل الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات في البقاع مثل الهرمل واللبوة هذه الأموال، حيث يتم ضخها في الاقتصاد المحلي المغلّف بغطاء شرعي. لا تمر هذه الأموال عبر البنوك النظامية، بل تُستخدم مباشرة في تمويل اللوجستيات، دفع رواتب، شراء ولاءات، أو إعادة تدويرها ضمن استثمارات تجارية تبدو على السطح مشروعة.
ومن أبرز أدوات غسل الأموال التي تستخدمها هذه المنظومة:
- شراء العقارات في بيروت والضاحية والبقاع، بأسعار تفوق قيمتها الفعلية، ثم بيعها لاحقًا لتحقيق مكاسب شرعية الشكل.
- الاستثمار في مطاعم ومقاهي ومحال هواتف محمولة، تعمل كواجهات نظيفة لأموال مشبوهة.
- تأسيس مشاريع دينية أو خيرية وهمية، لا سيما في النجف وكربلاء، تحمل أسماء شخصيات دينية وتستقطب تمويلًا طائفيًا، فيما يتم استخدامها كقنوات لتدوير الأموال القادمة من التهريب.
- تتميز هذه البنية المالية بالمرونة، إذ يمكنها التحول من النقد إلى الذهب، ومن العقارات إلى العملات الرقمية، تبعًا للضغوط الرقابية أو متطلبات التمويه. إنها عقل غير مرئي لإمبراطورية التهريب، يدير التدفقات النقدية مثلما تُدار جبهات القتال: بصمت، ودقة، وحماية طائفية مطلقة.
5 – ضحايا بلا صوت: المدنيون بين نيران الصفقات
وسط الخرائط الجيوسياسية والمصالح الطائفية والتهريب المنظّم، يغيب تمامًا صوت الإنسان البسيط — ذلك الذي لا يُدرج اسمه في التقارير، ولا يُذكر في بيانات الصحف، لكنه يُدفع الثمن الأكبر بصمتٍ جارح.
في العراق، يُستدرج شبان من أحياء الفقر في البصرة أو الشعلة أو أطراف ميسان إلى العمل في التهريب كـ”حمّالة” أو سائقي شاحنات مقابل أجر لا يتجاوز بضعة دولارات.
يُستغلون لجهلهم أو حاجتهم، وغالبًا ما يُساقون إلى المعتقلات حين تُضبط الشحنات، ليُقدَّموا كأكباش فداء، بينما يبقى من يدير الشبكة بعيدًا عن أي محاسبة، محميًا بنفوذ سياسي أو غطاء طائفي.
في سوريا، تُستغل الكارثة الإنسانية على نحو مروّع. الأطفال في مخيمات دير الزور والبوكمال يُجندون كناقلين أو مراقبين أو حتى دروع بشرية مقابل وجبة طعام أو وعود كاذبة بالحماية.
بعضهم يُزجّ بهم في خطوط التهريب داخل صناديق مغلقة، وآخرون يُنقلون إلى الداخل اللبناني دون وثائق، ليُستخدموا لاحقًا في الأعمال الخطرة أو يُزجّ بهم في شبكات الاتجار بالبشر.
أما في لبنان، فالفاتورة تُدفع على نطاق أوسع. قرى البقاع، مثل بريتال والهرمل واللبوة، أصبحت مرادفة للاشتباكات الليلية، والسلاح المتفلّت، والاقتصاد الملوّث بالممنوعات.
أبناء تلك المناطق يُوصمون جماعيًا، فتُغلق أمامهم فرص العمل، وتُعامل قراهم كـ”مناطق خارجة عن القانون”، رغم أن كثيرًا منهم ضحايا لا شركاء في الجريمة.
التهريب لا يقتل فقط بالأدوات التي ينقلها، بل يُفرغ المجتمعات من الثقة، ويشوّه صورة المدن، ويدمّر الأجيال بالصمت والتواطؤ والخوف.
هؤلاء المدنيون المنسيون هم الثمن البشري اليومي لصفقات لا توقّع بالحبر، بل تُرسم بالدم، في غياب الدولة وسلطة القانون.
6 – صمت رسمي وتواطؤ ممنهج
في معادلة التهريب من العراق إلى لبنان، يبدو أن الغائب الأكبر — أو الحاضر الأضعف — هو الدولة.
ثلاث عواصم معنية بهذه الشبكة: بغداد، دمشق، بيروت، وكلها تُظهر نمطًا واحدًا من التعامل: صمتٌ مُريب، وأحيانًا تواطؤ مكشوف.
في بغداد، تُصدر الحكومة بيانات موسمية عن “محاربة الفساد” و”ضبط المنافذ الحدودية”، لكن الواقع يكشف أن معظم المعابر تُدار عمليًا من قِبل ميليشيات تتلقى أوامرها من خارج المؤسسات الرسمية.
الأجهزة الأمنية تُخترق بسهولة، وأحيانًا تتلقى حصصًا من أرباح التهريب، ما يجعل من الحديث عن مكافحة هذه الظاهرة مجرّد استعراض سياسي أو رسائل للخارج.
في دمشق، كانت تُدار بعض مناطق العبور من قبل الفرقة الرابعة التابعة لماهر الأسد، والتي تحوّلت إلى ذراع اقتصادية للنظام، تتحصل على عائدات من التهريب عبر فرض رسوم غير قانونية أو توفير الحماية مقابل نسب مالية.
أما باقي الميليشيات المدعومة من إيران، فتمارس عملها تحت غطاء تام، دون حسيب أو رقيب.
أما في بيروت، فالدولة تُظهر هشاشتها في أوضح صورها. “حزب الله” يسيطر على الحدود الشرقية، وعلى مرفأ صور ومناطق شاسعة في البقاع، دون أن تتدخل الدولة فعليًا لضبط النشاط. الأجهزة الأمنية، حين تتحرك، تُوقف صغار المتورطين — من سائقي الشاحنات أو المخدوعين بوظائف سريعة — بينما تبقى الرؤوس الكبيرة بعيدة عن المساءلة، محصّنة بالعلاقات السياسية والطائفية.
إنه صمتٌ سياسي مشترك، لا ينبع فقط من الخوف، بل من إدراك بعض السلطات أن هذه الشبكات باتت جزءًا من توازنات الحكم نفسها.
فهي تُغذّي الاقتصاد الرمادي، وتضمن ولاءات محلية، وتُستخدم كورقة مساومة خارجية، ما يجعلها فوق القانون، بل وخارج نطاق المحاسبة.
7 – سقوط نظام الأسد: الزلزال الذي فكك شرايين التهريب ومحور الكبتاغون
لم يعد الأمر تكهنًا، بل حقيقة قائمة: نظام بشار الأسد قد سقط، ومعه انهار أحد أعمدة شبكات التهريب العابرة للحدود التي كانت تغذّي محورًا متكاملًا يمتد من العراق إلى لبنان.
التحول في دمشق لم يكن مجرد تغيير سياسي، بل هزة استراتيجية أطاحت بالبنية اللوجستية والأمنية التي اعتمدت عليها الميليشيات المرتبطة بإيران، وفي مقدمتها “حزب الله” وميليشيات الحشد الشعبي.
مناطق مثل دير الزور، البوكمال، والقصير، التي كانت تُستخدم لعقد الشحنات وتخزين المواد المهربة تحت إشراف ميليشيات الحرس الثوري الإيراني، تحولت اليوم إلى نقاط مراقبة خاضعة لسلطة مركزية جديدة تعمل بتنسيق مباشر مع بعثات دولية، وتسعى إلى تفكيك البنى التحتية غير الشرعية التي ظلت لعقدٍ كامل تُدار كدولة داخل الدولة.
تم حلّ الجيش الأسدي، وتفكيك الفرق الأمنية التابعة له، وعلى رأسها “الفرقة الرابعة”، التي كانت لاعبًا رئيسيًا في حماية خطوط التهريب.
كما اختفت الميليشيات الإيرانية وحلفاؤها من المشهد، إما عبر انسحاب قسري أو تفكيك تدريجي نفذته السلطة الانتقالية الجديدة، في ظل ضغط دولي واضح لضبط الحدود ووقف تدفق الكبتاغون والسلاح.
الضربة لم تكن فقط للممر الجغرافي، بل لمنظومة متكاملة تُعرف بـ”محور الكبتاغون”، الذي كان يقوم على شبكة من التحالفات بين النظام السوري، و”حزب الله”، وميليشيات عراقية، تمتد جذورها في المال والعقيدة والسيطرة.
بانهيار هذا المحور السوري، اهتزّ التوازن، وفقد “حزب الله” نقطة ارتكازه اللوجستية وخط إمداده الحيوي.
ورغم محاولات متفرقة لإعادة تشكيل خطوط بديلة عبر الأردن أو البحر، أو عبر تحالفات مع شبكات تهريب في أفريقيا، إلا أن غياب سوريا كمنصة تشغيل مركزية يمثل خسارة استراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة للمحور الإيراني.
اليوم، أصبح ملف الكبتاغون والتهريب عبر سوريا مطروحًا على الطاولة الدولية، ليس بوصفه شأنًا أمنيًا محليًا، بل كملف يتقاطع مع الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
والنظام السوري الجديد بات يُنظر إليه كطرف يُراهن عليه في كبح هذا الانهيار الأخلاقي والاقتصادي، في لحظة فارقة تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
خاتمة: بين الخرائط المهترئة والدول المختطفة… من يجرؤ على القطع مع الجريمة؟
إن شبكات التهريب من العراق إلى لبنان ليست مجرد خطوط إمداد مخفية، بل هي شرايين تنقل الدم إلى منظومة كاملة من السلاح، العقيدة، والمال غير الشرعي.
إنها اقتصاد رديف لدول متهالكة، تُدار من وراء الكواليس بأجندات فوق وطنية، وتحت مظلات دينية وعسكرية مزيفة.
وفي قلب هذه المنظومة، تتحوّل الأوطان إلى أسواق حرة للجريمة، والحدود إلى وهم، والإنسان إلى سلعة.
ما لم يتم تفكيك هذا النظام المتكامل من التهريب والتواطؤ — سياسيًا، أمنيًا، وماليًا — فإن أي حديث عن استقرار إقليمي أو بناء دولة حقيقية سيظل محض وهم.
إن الممر الممتد من البصرة إلى الضاحية الجنوبية، مرورًا بدير الزور، ليس طريق تهريب فقط، بل مسار انحدار كامل لمنطقة تُسلَّم طواعية إلى العصابات المقنّعة والمصالح المتشابكة.
لقد آن الأوان للحديث الصريح: لا يمكن مواجهة محور الكبتاغون والتهريب بالصمت أو البيانات.
ما نحتاجه هو إرادة سياسية شجاعة، وتحقيق دولي مستقل، وتحالف إقليمي وعربي يُدرك أن من لا يحارب هذه الشبكات… هو حتمًا جزء منها.
— د. عبد العزيز طارقجي
باحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان
صحافي استقصائي ومتخصص في قضايا مكافحة الإرهاب
www.a-tarekji.com.ar

