الأربعاء، 29 يوليو 2026 news@a-tarekji.com.ar 005491158873778

الصحافة بين نصّ القانون وسيف السلطة: قراءة في منظومة استهداف الإعلام في لبنان

الصحافة بين نصّ القانون وسيف السلطة: قراءة في منظومة استهداف الإعلام في لبنان

بقلم : د. عبد العزيز طارقجي

– صحافي استقصائي و باحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الانسان-

 

لم تعد مشكلة حرّية الصحافة في لبنان حادثةً عابرة تُقاس بعدد الاستدعاءات أو البلاغات الأمنية، بل تحوّلت إلى منظومة تضييق متكاملة تتشابك فيها السياسة مع القانون والقضاء.

فمنذ مطلع عام 2024، شهد لبنان تصاعدًا غير مسبوق في الاستهداف الممنهج للصحافيين والمؤسسات الإعلامية: استهداف ميداني في مناطق التماس الجنوبية خلال الحرب، واعتداءات على فرق إعلامية أثناء التغطيات، يقابلها في الداخل سباق قضائيّ محموم يوظّف النصوص القانونية لإسكات النقد بدل حمايته.

تستند السلطات في معظم هذه الملاحقات إلى مواد من قانون العقوبات اللبناني، أبرزها المواد 383 إلى 387 التي تجرّم “القدح والذمّ والإهانة” بحق الموظفين العموميين أو السلطات العامة، وتنصّ على عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة، رغم أن المادة (13) من الدستور اللبناني تضمن “حرية إبداء الرأي قولًا وكتابةً وحرية الطباعة ضمن دائرة القانون”.

كما يُستخدم قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي رقم 81/2018 لتوسيع مفهوم “الجرائم المعلوماتية”، بحيث تُستدعى صحف إلكترونية وصحافيون للتحقيق أمام مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية بدلًا من مثولهم أمام محكمة المطبوعات المختصّة أصلًا بقضايا النشر، في مخالفةٍ واضحةٍ لمبدأ الاختصاص المنصوص عليه في قانون المطبوعات رقم 382/1994.

إنّ ما يجري ليس مجرّد خطأ في التطبيق، بل نهجٌ في تطويع القانون لخدمة القوة. فالنتيجة اليوم: غرفة أخبار تعمل تحت القصف أو تحت الاستدعاء، وصوتٌ إعلاميٌّ يختنق بين رصاصةٍ مجهولةٍ ومذكرةٍ قضائية.

وما يُختزل في الإعلام المحلي كـ“سجالٍ سياسي” هو في جوهره قضية حقّ عام، تمسّ جوهر المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تؤكد أن لكل إنسان “حقًّا في اعتناق الآراء دون مضايقة”، وحقًّا في “حرية التعبير، بما في ذلك حرية التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين”.

غير أنّ الواقع اللبناني المعقّد اليوم يُظهر أن القانون الذي كان يُفترض أن يحمي هذا الحق، صار هو الأداة الأكثر فاعلية في تقويضه.

 

أرقام تقريريّة تُكذّب الادّعاء بأن “كل شيء على ما يرام”

عام 2024 لم يكن مجرّد سنة أخرى في سجلّ الصحافة اللبنانية، بل مثّل العام الأكثر فتكًا بالصحافيين عالميًا بحسب تقارير لجنة حماية الصحافيين (CPJ) ومنظمة “مراسلون بلا حدود”. وقد حصدت الحرب في جنوب لبنان نصيبًا مؤلمًا من هذا الرقم، بعد الضربة الإسرائيلية في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2024 التي أودت بحياة عدد من الصحافيين والعاملين الإعلاميين أثناء تغطيتهم الميدانية، في خرقٍ واضحٍ لمبدأ الحماية المكرّس في المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، التي تنصّ صراحة على أن “الصحافيين الذين يباشرون مهمات مهنية في مناطق النزاعات يُعاملون كمدنيين ويجب حمايتهم من أي عمل عدائي”.

وفي الداخل اللبناني، لم يكن المشهد أفضل حالًا. فخلال كانون الثاني/يناير 2025، تم تسجيل اعتداءات ميدانية ومنعٍ مباشر للبثّ ضدّ طواقم إعلامية أثناء تغطيتها أحداثًا في الجنوب، ما أعاد التذكير بأن الصحافة في لبنان لم تعد تواجه الخطر من الخارج فحسب، بل من الداخل أيضًا. هذه الحوادث الموثقة من نقابات ومؤسسات دولية ومحلية أكدت أن “البيئة العدائية ضدّ الإعلاميين أصبحت جزءًا من المشهد العام”، لا استثناءً ظرفيًا.

أما على الصعيد القضائي، فقد شهد العام 2025 تصعيدًا غير مسبوق في الملاحقات القانونية ضد المؤسسات الإعلامية المستقلة، تحت غطاء دعاوى “القدح والذمّ” أو “الجرائم الإلكترونية”. عشرات الاستدعاءات والتحقيقات استهدفت صحافيين ومواقع رقمية على خلفية تحقيقات مالية ومصرفية تناولت قضايا الرأي العام، في سياق يعكس استخدام القضاء كأداة ردعٍ ممنهجة بدلًا من كونه ملاذًا للعدالة.

لم تَعُد الاعتداءات على الصحافيين في لبنان مقتصرة على القوى الأمنية أو الإجراءات القضائية فحسب، بل امتدت لتشمل أنصار الأحزاب السياسية والعسكرية الذين باتوا يتعاملون مع أي رأيٍ نقديٍّ كـ “تهديدٍ وجوديٍّ” لمشاريعهم أو زعاماتهم.

تنوّعت الاعتداءات بين اعتداءات جسدية مباشرة أثناء التغطيات، وحملات تشهير رقمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحريض علني ضد صحافيين بتهم “الخيانة” أو “العمالة”، لمجرد تناولهم ملفات فساد أو انتقاد أداء أحد الزعماء. وغالبًا ما تمر هذه الاعتداءات من دون أي ملاحقة قضائية حقيقية، ما يعزّز ثقافة الإفلات من العقاب.

يُذكّر هذا النمط الممنهج بنصّ المادة (329) من قانون العقوبات اللبناني التي تُجرِّم “كل من استعمل العنف أو التهديد لمنع شخص من ممارسة حقٍّ مشروعٍ أو لإجباره على عملٍ أو تركٍ مخالفٍ لإرادته”، وهي مادةٌ كان يجب أن تكون درعًا لحماية الصحافيين، لكنها تحوّلت إلى نصٍّ مهمل في الواقع العملي، إذ نادرًا ما تُطبَّق في حالات الاعتداء ذات الطابع السياسي أو الحزبي.

إنّ أخطر ما في هذه الظاهرة أنّها باتت تُمارس بعلم القيادات السياسية أو بتغاضٍ منها، ما يجعلها أقرب إلى سياسةٍ غير معلنةٍ لإخضاع الإعلام، وتحويل الصحافة من سلطة رقابية إلى صوتٍ محسوبٍ على الولاءات. وبهذا، يصبح الصحافي في لبنان عرضةً للاستهداف المزدوج: من الدولة بقوانينها، ومن الأحزاب بشارعها — في مشهدٍ يُختصر بأنه “عقاب على الحقيقة أينما وُجدت”.

هذه الوقائع، عندما تُجمع، تُظهر أن ما يُقدَّم في الخطاب الرسمي كـ“حالات فردية” ليس سوى نظام تضييق منسّق، تتنوّع أدواته بين الرصاصة والدعوى القضائية، وبين “التحقيق الأمني” و“التحقيق المالي”.

فالنتيجة واحدة: الصحافة في لبنان تُحاصر من كل الاتجاهات، والحديث عن “حرية الإعلام المصونة” لم يعد سوى شعارٍ يُردَّد في البيانات، بينما الواقع يشي بأن الانتهاكات باتت ممنهجة، متكررة، وموثقة — والأخطر أنها تُمارَس باسم القانون ذاته.

 

كيف تُستَغلّ المسارات القضائية لتقييد الصحافة؟

في لبنان، لم تَعُد القوانين تُكتب لحماية الكلمة، بل لتقييدها. فالمواد التي وُضعت لحفظ كرامة الإنسان والموظف العام باتت سيفًا يُشهر في وجه من يكتب الحقيقة. تُستخدم المواد 383 إلى 389 من قانون العقوبات اللبناني لتجريم كل رأيٍ ينتقد سلطة أو يفضح فسادًا، بحجة “القدح والذمّ والإهانة”. هذه المواد تحوّلت إلى مقصلة تشريعية تهدد أي صحافي يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها، متناسية أن المادة 13 من الدستور اللبناني تضمن “حرية إبداء الرأي قولًا وكتابةً وحرية الطباعة والنشر”.

والأدهى، أنّ الدولة أنشأت لنفسها جهازًا رقابيًا جديدًا تحت لافتة التكنولوجيا. فـمكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية لم يعد يلاحق القراصنة، بل الصحافيين الإلكترونيين. يستند هذا المكتب إلى قانون المعاملات الإلكترونية رقم 81/2018، الذي جرى تفريغه من هدفه الأصلي، وتحويله إلى فخٍّ قانوني يُساق إليه الإعلاميون كما يُساق المتّهمون. صار النشر الإلكتروني يُعامل كجريمة، والمقال يُقرأ كدليل إدانة، وكأنّ الكلمة الحرة أخطر من أي جريمة مالية أو سياسية.

أما محكمة المطبوعات — التي أنشئت في قانون المطبوعات رقم 382/1994 لتكون الحصن القانوني للصحافة — فقد جرى تحييدها عمدًا. يُحال الصحافيون إلى النيابات العامة أو إلى مكاتب الضابطة العدلية، في استبدالٍ فجٍّ للمساءلة القانونية بالترهيب الأمني. هناك، تُطرح الأسئلة ليس عن الدليل المهني، بل عن “الجهة التي تموّلك” و“من أعطاك المعلومات”، لتتحول العدالة إلى تحقيق استخباري بلباسٍ قضائي.

بهذه الطريقة الممنهجة، أُعيد تشكيل العلاقة بين الصحافة والدولة:

لم تَعُد الصحافة سلطة رقابية، بل ملفًا أمنيًا مفتوحًا؛ ولم يَعُد القضاء حاميًا للحقّ، بل شريكًا في كمّ الأفواه. فكل قلمٍ ناقد بات مشروع دعوى، وكل تقريرٍ استقصائيٍّ أصبح قنبلة موقوتة قد تنفجر في مكتب المحقق.

إنّ ما يجري ليس تطبيقًا للقانون، بل اغتيالٌ ناعمٌ للحقيقة باسم القانون.

هذه هي المعادلة الجديدة في لبنان: من يكتب يُستدعى، ومن يصمت يُكافأ، ومن يصرّ على قول الحقيقة يُحوَّل إلى متّهم.

 

المسؤوليات — من يَسأل ومن يُحاسَب؟

حين تُستهدف الصحافة، لا يُسأل الصحافي عمّا كتب، بل يُسأل الوطن عمّا سكت عنه. تقع على عاتق الدولة اللبنانية مسؤولية قانونية وأخلاقية واضحة في حماية الصحافيين زمن الحرب والسلم، بموجب ما تنص عليه المادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، التي تعتبر الصحافيين المدنيين “أشخاصًا محميين” لا يجوز الاعتداء عليهم أو عرقلة عملهم. كما أنّ المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تُلزم الدولة بضمان حرية التعبير لا التضييق عليها، وبحماية من يمارسها لا معاقبته.

لكن في لبنان، تحوّلت هذه الالتزامات الدولية إلى شعارات معلّقة في التقارير، بينما الواقع يشهد عكسها: قصفٌ بلا مساءلة، واستدعاءات بلا مبرّر، وصمتٌ رسميٌّ يحمي المعتدي بدل أن يحمي الصحافي.

أما السلطات التشريعية والقضائية، فمسؤوليتها مضاعفة. فحين تُبقي مواد قانون العقوبات (383–389) سارية، وتغضّ الطرف عن إساءة استخدامها، فهي تشارك في الجريمة لا تنظّمها. وعندما تسمح النيابات العامة بإحالة قضايا النشر إلى مكاتب أمنية بدل محكمة المطبوعات، فهي لا تطبّق القانون، بل تطوّعه لخدمة السلطة. القضاء الذي يتواطأ مع الخوف، لا يمكنه أن يُنصف الحقيقة.

ولا تقلّ مسؤولية القوى السياسية والاقتصادية خطورةً. إذ تحوّلت الدعاوى القضائية التي ترفعها المصارف، والأحزاب، وبعض الشخصيات النافذة إلى أداة ترهيبٍ منهجيٍّ ضد الإعلام المستقل. كل تحقيق صحفي في ملف مالي أو سياسي يُقابَل بدعوى، وكل تقرير استقصائي يُلاحَق ببلاغ، وكأنّ هدف هذه المنظومة ليس الدفاع عن “السمعة”، بل اغتيال حق المجتمع في المعرفة.

إنّ المسؤوليات هنا مترابطة: الدولة تسكت، القضاء يُنفّذ، والسياسيّ يُحرّض، والنتيجة منظومة واحدة تحكمها قاعدة واحدة: من يكتب يُحاسَب، ومن ينهب يُحمى.

في هذا المشهد المعكوس، يصبح القانون درعًا للسلطة لا للمواطن، ويُختزل دور العدالة في حماية الأقوياء من النقد لا حماية الضعفاء من القمع.

 

الإطار القانوني الذي ينبغي إصلاحه فورًا

إن أي إصلاحٍ حقيقي في ملف حرية الصحافة لا يبدأ من الشعارات، بل من النصوص. فالمنظومة القانونية الحالية في لبنان باتت سلاحًا ذا حدٍّ واحد، يُستخدم لتكميم الأفواه لا لتنظيم حرية التعبير. ولذلك، فإن أول خطوة في طريق الإصلاح هي إلغاء التجريم في قضايا الرأي والنشر، واستبدال العقوبات السالبة للحرية بآلياتٍ مدنية عادلة، تعوّض الضرر دون أن تقتل الكلمة. فالكلمة لا تُسجن، بل تُناقش.

ينبغي كذلك حصر اختصاص قضايا النشر بمحكمة المطبوعات كما نصّ عليه قانون المطبوعات رقم 382/1994، ووقف الإحالات العشوائية إلى النيابات العامة أو مكاتب “الجرائم المعلوماتية” التي تُستخدم اليوم كأدوات للترهيب الرقمي. فمحكمة المطبوعات وُجدت لضمان التوازن بين الحرية والمسؤولية، ولتحقيق العدالة المهنية لا العدالة السياسية.

أما قانون المعاملات الإلكترونية رقم 81/2018، فيجب إخضاعه لتعديلٍ جوهريٍّ يمنع استخدامه كسلاحٍ ضد الإعلام الرقمي. هذا القانون صُمّم لتنظيم التواقيع الإلكترونية والبيانات، لا لمحاكمة صحافي كتب تحقيقًا استقصائيًا على موقع إلكتروني. تركه بهذه الصيغة الملتبسة يُبقي سيف الرقابة مصلتًا على الصحافة الإلكترونية، التي أصبحت اليوم المساحة الأكثر حيوية في المشهد الإعلامي اللبناني.

كما يجب وضع بروتوكول وطني شامل لحماية الصحافيين والطواقم الإعلامية خلال التغطيات الميدانية، خصوصًا في المناطق الحدودية أو أثناء الاضطرابات الأمنية. هذا البروتوكول يجب أن يُلزم الأجهزة العسكرية والأمنية بحماية الإعلاميين لا مراقبتهم، وأن يضمن حرية الوصول إلى المعلومة بدل منعها.

وأخيرًا، لا بدّ من الالتزام بتحقيقات دولية مستقلة وشفافة في كل الجرائم التي استهدفت الصحافيين خلال النزاعات، سواء في القصف الإسرائيلي عام 2024 أو الاعتداءات الداخلية التي تلته. فغياب المحاسبة يعني تكرار الجريمة، والصمت الرسمي هو مشاركة غير معلنة في قتل الحقيقة.

إن إصلاح القوانين ليس ترفًا قانونيًا، بل شرط بقاءٍ للصحافة اللبنانية، التي إن فقدت حريتها، فقد الوطن مرآته الأخيرة.

 

لماذا يُعدّ هذا “حقًّا عامًا” لا معركة مهنية ضيّقة؟

الاعتداء على الصحافة ليس خلافًا بين مهنيَّين، ولا نزاعًا بين سلطةٍ ورأي؛ إنّه عدوان على الحقّ العام في أبهى معانيه. فكلّ رصاصةٍ تُطلق على صحافي هي رصاصةٌ تُصيب حقّ المجتمع في المعرفة، وكلّ استدعاءٍ قضائيٍّ مُسَيَّسٍ هو استدعاءٌ للسكوت الجماعي. الصحافة ليست مهنة بين المهن، بل الخطّ الأخير في دفاع المجتمع عن وعيه، وحين تُقمع الصحافة، يُحجب الضوء عن الفساد وتُترك الانتهاكات بلا شهود.

حرية الصحافة ليست امتيازًا شخصيًا للصحافيين، بل حقّ جماعي مكفول دستوريًا وشعبيًا، لأنها تمثل الوسيط الذي يُوصل صوت المظلوم إلى الرأي العام، وتحوّل المعلومة إلى رقابة، والكلمة إلى أداة محاسبة. هذا ما نصّت عليه المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي أكدت أنّ “لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقّ حرّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، واستقاء الأنباء والأفكار وإذاعتها بأية وسيلة دونما اعتبار للحدود”.

لكن في لبنان، تحوّلت هذه المبادئ إلى أوراق محفوظة في التقارير السنوية، بينما الواقع يقول إنّ كل يوم يُستدعى فيه صحافي هو يوم تتراجع فيه الشفافية، وكل صمتٍ تُرغم عليه غرفة أخبار هو خطوة نحو دولة بلا مرآة.

إنّ معركة حرية الصحافة ليست معركة نقابةٍ أو وسيلة إعلامية، بل معركة المجتمع على ذاكرته وحقّه في الحقيقة. فحين تُسكت الصحافة، تُكتب الرواية الرسمية وحدها، ويُدفن الصوت المستقل تحت أكوام البلاغات القضائية والتهديدات.

الصحافة، في جوهرها، هي حقّ الناس في أن يعرفوا، وهي ميزان كل ديمقراطية. فإذا اختلّ هذا الميزان، اختلت معه كل العدالات الأخرى.

إنّ ما يحدث في لبنان اليوم ليس صراعًا مهنيًا، بل صراع بين الشفافية والظلام، بين القانون العادل والقانون الموجَّه، بين مجتمعٍ يريد أن يرى وسلطةٍ تخشى أن تُرى.

ولهذا، فإن الدفاع عن الصحافة ليس تضامنًا مع مهنة، بل واجب وطني وأخلاقي، لأنّ من يسكت اليوم على استدعاء صحافي، قد يُستدعى غدًا لمجرّد أنه قال الحقيقة.

 

في الختام: نداءٌ إلى من يملك القرار… ارفعوا أيديكم عن الصحافة

لبنان، الذي كان يُعرَف لعقودٍ بأنه منبر الشرق الحرّ، تحوّل اليوم إلى مختبرٍ متقنٍ لقمع الكلمة الحرة — قمعٍ لا يصدر عن رصاصةٍ أو قرارٍ عسكريٍّ فحسب، بل عن قوانين متقادمة وأجهزة تُعيد إنتاج الخوف بوسائل “قانونية”. في هذا البلد الذي أنجب صحفًا كانت تُترجم عنها عواصم العرب، تُستدعى اليوم الأقلام للتحقيق، وتُحاكَم الحقيقة بتهمة “التشهير”.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بخطاباتٍ عن “حرية الإعلام”، بل يبدأ بـ إلغاء تجريم النشر والرأي في قانون العقوبات، وبـ إعادة الاعتبار لمحكمة المطبوعات كمرجعٍ وحيد لقضايا الإعلام، وبتوقيف كل أشكال الاستدعاءات الأمنية المقنّعة التي تستهدف الصحافيين. كما يجب أن يُشرَّع فورًا قانون حماية الصحافيين والإعلاميين ليصون حقهم في العمل الميداني، ويُلزم السلطات الأمنية بحمايتهم لا مطاردتهم.

لكن الأهم من النصوص، هو الموقف السياسي والأخلاقي. فـالأحزاب السياسية والعسكرية اللبنانية مطالَبة اليوم، دون مواربة، بأن ترفع يدها عن الإعلام، وأن تكفّ عن التحريض على الصحافيين لمجرّد انتقادها، وأن تُدرك أنّ قمع الرأي ليس حمايةً للهوية، بل اغتيالٌ للوطن من الداخل. كما أنّ على الدولة أن تتحمّل مسؤوليتها في حماية الصحافيين، لا في تبرير الاعتداء عليهم أو التستّر على المعتدين.

لن تُستعاد هيبة لبنان ولا مكانته إلا إذا استعاد حقّه في كلمةٍ حرّةٍ لا تخاف من الاستدعاء ولا تُرهبها الميليشيا ولا يُسكتها القاضي.

فإن استمر الصمت، ستبقى الحقيقة هي الضحية الأخيرة في وطنٍ كان يومًا مهدَ الصحافة العربية، لكنه اليوم يقف على حافة أن يُصبح مقبرتها.

شارك المعرفة

مشاركة الموضوع

أدوات المقال
البريد