الأربعاء، 29 يوليو 2026 news@a-tarekji.com.ar 005491158873778

حين تُقصف المدن وتُغلق الممرات البحرية وتُستباح سيادة الدول: هل انهار القانون الدولي في حرب الشرق الأوسط أم أُسقط عمداً؟

حين تُقصف المدن وتُغلق الممرات البحرية وتُستباح سيادة الدول: هل انهار القانون الدولي في حرب الشرق الأوسط أم أُسقط عمداً؟

بقلم: د. عبد العزيز طارقجي

صحفي استقصائي وباحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان

خاص بوابة بيروت

 

.

في البداية: حرب تتجاوز الجغرافيا وتختبر مصداقية النظام الدولي

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين أطراف إقليمية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى صمود القانون الدولي نفسه أمام منطق القوة. فمع اتساع الضربات العسكرية التي طالت إيران وإسرائيل ولبنان، ومع امتداد التوتر إلى العراق ودول الخليج والممرات البحرية الحيوية، بات المشهد الإقليمي أقرب إلى حرب متعددة الطبقات تشارك فيها قوى كبرى ودول إقليمية وتنظيمات مسلحة عابرة للحدود.

هذه الحرب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بما تكشفه من تآكل واضح في منظومة القواعد التي يفترض أنها تنظّم النزاعات المسلحة. فاستهداف المرافق المدنية، والضربات التي تقع قرب مناطق سكنية، وتهديد التجارة العالمية عبر مضيق هرمز، وتوسيع العمليات العسكرية إلى دول مجاورة لإيران، كلها مؤشرات على أن المنطقة تعيش مرحلة تتراجع فيها قواعد القانون الدولي الإنساني لصالح حسابات الردع والانتقام والاستعراض العسكري.

وفي قلب هذا المشهد المعقد تقف عدة أطراف رئيسية تتحمل مسؤوليات متفاوتة في توسيع نطاق الصراع وفي تعريض المدنيين والمنشآت الحيوية للخطر.

.

الولايات المتحدة: القوة الأكبر ومسؤولية استخدام القوة

عندما تدخل الولايات المتحدة ساحة الحرب – سواء عبر الضربات العسكرية المباشرة أو من خلال المشاركة العملياتية والدعم العسكري الواسع – فإن ذلك يغيّر طبيعة الصراع بالكامل. فالولايات المتحدة ليست مجرد طرف إقليمي آخر، بل القوة العسكرية الأكبر في النظام الدولي، وهي الدولة التي ساهمت تاريخياً في صياغة جزء كبير من القواعد القانونية التي تنظّم استخدام القوة في العلاقات الدولية وتحدد حدودها.

لكن دخول واشنطن المباشر في العمليات العسكرية ضد أهداف داخل إيران يثير تساؤلات قانونية جوهرية. فميثاق الأمم المتحدة يضع قيوداً واضحة على استخدام القوة، ولا يسمح بها إلا في حالتي الدفاع عن النفس أو بقرار صريح من مجلس الأمن. وعندما تتحول الضربات العسكرية إلى عمليات واسعة النطاق داخل أراضي دولة أخرى، فإن السؤال القانوني يصبح أكثر إلحاحاً: هل جرى احترام حدود الضرورة والتناسب التي يفرضها القانون الدولي، أم أن العمليات تجاوزت إطار الرد الدفاعي لتدخل في نطاق التصعيد العسكري المفتوح؟

وتزداد هذه التساؤلات حساسية مع التقارير التي تحدثت عن أضرار أصابت مناطق مدنية خلال العمليات العسكرية، بما في ذلك تقارير إعلامية وإنسانية أشارت إلى استهداف منشآت قريبة من مرافق تعليمية، من بينها مدرسة في إحدى الضربات الأولى، وهو ما أدى – بحسب تلك التقارير – إلى سقوط ضحايا من الأطفال. مثل هذه الحوادث، إذا ثبتت صحتها، لا تمثل مجرد خطأ عسكري عابر، بل تثير شبهة انتهاك خطير لمبدأ حماية المدنيين الذي يعد أحد الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني.

إن كون الولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري العالمي يجعل مسؤوليتها القانونية والسياسية أكبر من غيرها، لأن أي خطأ في استخدام القوة – أو أي توسع غير منضبط في العمليات العسكرية – لا يبقى محصوراً في نطاق جغرافي ضيق، بل ينعكس مباشرة على الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي، فضلاً عن مصداقية النظام القانوني الدولي الذي ساهمت واشنطن نفسها في بنائه.

.

إسرائيل: من يوقف آلة الدمار حين تتحول الحرب إلى تدمير شامل بلا مساءلة؟

هنا يبرز سؤال لم يعد سياسياً فقط، بل قانونياً وأخلاقياً وإنسانياً: من الذي سيوقف آلة الدمار الإسرائيلية التي لم تكتفِ بتدمير واسع وغير مسبوق في غزة، بل وسّعت نمط الاستهداف ليطال دولاً مجاورة من سوريا إلى العراق إلى لبنان، مخلفة قتلى وجرحى ودماراً واسعاً وانتهاكات متكررة لسيادة الدول، فيما تستمر أيضاً في ترسيخ وقائع الاحتلال وفرض معادلات القوة بالنار لا بالقانون. فالمشكلة لم تعد في مجرد تنفيذ ضربات عسكرية عابرة للحدود، بل في تحول هذا السلوك إلى نهج متكرر ومعلن يقوم على توسيع ساحة الحرب، وإيقاع أكبر قدر من التدمير تحت عنوان مكافحة “التهديدات الأمنية” أو ملاحقة وكلاء إيران.

وفي الحالة اللبنانية تحديداً، تبدو الصورة أكثر فجاجة من الناحية القانونية والإنسانية. فإسرائيل تقول إنها تستهدف حزب الله وبناه العسكرية، لكن الوقائع الميدانية تظهر أن مساحات واسعة من لبنان خضعت لقصف متواصل، وأوامر إخلاء جماعية، وتوغلات برية، وتدمير لقرى ومرافق ومبانٍ مدنية، حتى باتت المقارنة التي يستخدمها المسؤولون الإسرائيليون أنفسهم مع ما جرى في غزة ذات دلالة خطيرة. فقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” بأن الجيش تلقى أوامر بتدمير ما وصفه بـ“البنية الإرهابية” في قرى الجنوب، رابطاً ذلك صراحةً بما فعلته إسرائيل في مدن غزة التي تعرضت لدمار واسع. كما شملت أوامر الإخلاء الإسرائيلية نحو 14%  من مساحة لبنان، بينما وثقت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة مقتل المئات ونزوح مئات الآلاف، مع تحذيرات أممية من أن أوامر الإخلاء الواسعة تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

ولا يعني قول ذلك الدفاع عن حزب الله أو تبرئة دوره في جرّ لبنان إلى قلب الصراع. فالحزب يتحمل بدوره مسؤولية ثقيلة عن تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة اشتباك إقليمي، وعن الإضرار بسيادة الدولة اللبنانية وقرارها الوطني. لكن وجود تنظيم مسلح داخل بيئة مدنية لا يمنح إسرائيل صكاً مفتوحاً لتطبيق سياسة الأرض المحروقة، ولا يجيز لها أن تجعل من القرى والمدن والبنية التحتية المدنية حقلاً مشروعاً للقصف واسع النطاق. فالقانون الدولي الإنساني لا يسقط بمجرد أن العدو يختبئ بين السكان، بل يصبح في هذه الحالة أشد إلزاماً، لأن واجب التمييز والتناسب والاحتياط يتضاعف حين يكون المدنيون في قلب مسرح العمليات.

ومن الناحية القانونية، فإن المسألة تتجاوز توصيف “التجاوزات” أو “الأخطاء العملياتية”. فالقانون الدولي الإنساني، كما كرسته اتفاقيات جنيف والأعراف الدولية، يفرض على أي طرف محارب التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر الهجمات غير المتناسبة أو تلك التي يُتوقع أن تُلحق بالمدنيين أضراراً مفرطة قياساً إلى المكسب العسكري المتوقع. كما أن استهداف البنية التحتية المدنية على نحو واسع، أو فرض أوامر نزوح جماعية، أو تدمير ظروف الحياة الأساسية للسكان، يمكن أن يثير مسؤوليات خطيرة بموجب القانون الدولي، ولا سيما إذا اتخذ طابعاً ممنهجاً ومتكرراً. أما إذا اقترن ذلك بخطاب رسمي ينزع الإنسانية عن السكان أو يدعو إلى سحقهم أو تهجيرهم أو التعامل معهم ككتلة معادية يجب تدميرها، فإننا ننتقل من مجرد النقاش حول جرائم الحرب إلى مجال أشد خطورة يتعلق بـالتحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية.

وهنا تصبح التصريحات الرسمية الإسرائيلية جزءاً من المشهد القانوني، لا مجرد ضجيج سياسي. فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025 إلى أن كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حرّضوا على أعمال إبادة جماعية في غزة، واعتبرت أن تصريحاتهم تمثل دليلاً مباشراً على النية الإبادية، في سياق حملة وصفتها اللجنة بأنها ذات طابع تدميري ممنهج. كما أن محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت تدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وأمرت إسرائيل باتخاذ جميع التدابير لمنع الإبادة الجماعية ومنع ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على ارتكابها. هذه ليست لغة ناشطين أو خصوم سياسيين، بل لغة مؤسسات قانونية ودولية عليا وضعت العالم أمام مسؤولياته.

وعندما تصمت القوى الكبرى، أو تكتفي ببيانات القلق، بينما تستمر آلة الحرب في هدم المدن وقتل المدنيين وفرض النزوح الجماعي وتجاوز حدود الدول، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بإسرائيل وحدها، بل بالنظام الدولي كله: ما قيمة القانون إذا كان يُطبَّق على الضعفاء ويُعلَّق عند أقوى الحلفاء؟ وما معنى الحديث عن حماية المدنيين إذا ظلت المجازر الواسعة والتدمير الشامل تمرّ بلا ردع حقيقي ولا محاسبة؟ إن أخطر ما في المشهد ليس فقط عدد الضحايا، بل اعتياد العالم على مشهد الإفلات من العقاب، وكأن تدمير غزة، وضرب لبنان، وتكرار الاعتداءات على سوريا والعراق، كلها أفعال يمكن استيعابها سياسياً مهما بلغت كلفتها البشرية.

.

إيران: سياسة النفوذ عبر الوكلاء ومسؤولية زعزعة الاستقرار الإقليمي واعتداءات تتجاوز الحدود

في المقابل، لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي بواقعية من دون التوقف عند الدور الذي لعبته إيران خلال العقود الماضية في بناء شبكة واسعة من الجماعات المسلحة الحليفة لها في عدة دول. فقد اعتمدت طهران استراتيجية تقوم على دعم وتمويل وتسليح تنظيمات عقائدية ومليشيات مسلحة خارج إطار الدول، الأمر الذي حوّل كثيراً من الصراعات في الشرق الأوسط إلى حروب بالوكالة تتجاوز الحدود الوطنية وتضع المجتمعات المحلية في قلب مواجهات إقليمية ودولية معقدة.

لقد امتد هذا النفوذ من لبنان عبر حزب الله الذي تحول إلى قوة عسكرية وسياسية مؤثرة داخل الدولة اللبنانية، إلى العراق حيث نشأت جماعات مسلحة شيعية متعددة مرتبطة بمحاور إقليمية، وصولاً إلى اليمن حيث دعمت إيران جماعة الحوثيين التي انخرطت في حرب طويلة الأمد أدت إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما تشير تقارير أمنية ودولية إلى أن هذا الدعم لم يبق محصوراً في الشرق الأوسط، بل تجاوز حدوده في بعض الأحيان ليصل إلى شبكات وتحركات عابرة للقارات في إطار صراع النفوذ بين إيران وخصومها.

إلى جانب ذلك، لم تقتصر السياسات الإيرانية على دعم الجماعات المسلحة فقط، بل امتدت أيضاً إلى اعتداءات مباشرة أو غير مباشرة على دول الخليج العربي التي حافظت في مراحل عديدة على علاقات هادئة مع طهران ولم تسمح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية ضد إيران. فعلى الرغم من أن إيران غالباً ما تبرر هجماتها بأنها تستهدف قواعد أو مصالح أمريكية في المنطقة، فإن الواقع أظهر أن العديد من الضربات أصابت منشآت ومؤسسات مدنية واقتصادية خليجية، بما في ذلك منشآت للطاقة ومرافق اقتصادية ومناطق مدنية، وهو ما ألحق أضراراً مباشرة بدول لم تكن طرفاً في العمليات العسكرية ضدها.

من الناحية القانونية، فإن مثل هذه الهجمات تثير إشكالات خطيرة بموجب القانون الدولي. فـ المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تنص بوضوح على امتناع الدول عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما أن استهداف البنية التحتية المدنية أو الاقتصادية لدول لا تشارك في العمليات العسكرية يشكل انتهاكاً لمبدأ سيادة الدول ولمبدأ حماية المدنيين والأعيان المدنية المنصوص عليه في قواعد القانون الدولي الإنساني.

إن هذه السياسات الإيرانية القائمة على توسيع النفوذ عبر الجماعات المسلحة، إضافة إلى الضربات التي طالت دولاً أخرى في المنطقة، ساهمت بشكل مباشر في تعميق حالة عدم الاستقرار الإقليمي وإدخال المنطقة في دوامة من التصعيد المتبادل. ولا يمكن إنكار أن هذا النهج لعب دوراً مهماً في الوصول إلى المشهد الحالي من التوتر والحروب المتداخلة.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بمسؤولية إيران عن دعم هذه الشبكات المسلحة أو عن الهجمات التي طالت دولاً أخرى لا يعني أن الانتهاكات التي ارتكبتها هذه الجماعات أو السياسات التي دعمتها طهران يمكن أن تُستخدم ذريعة لتجاهل قواعد القانون الدولي أو لتبرير استهداف المدنيين أو تدمير البنى التحتية للدول. فالقانون الدولي لا يقوم على منطق الانتقام أو المعاملة بالمثل في الانتهاكات، بل على مبدأ ثابت مفاده أن جميع الأطراف – دولاً كانت أم جماعات مسلحة – تبقى ملزمة باحترام قواعد حماية المدنيين وعدم تحويل الحروب إلى عمليات تدمير شامل للمجتمعات.

.

لبنان: دولة مختطفة بين عجز المؤسسات وهيمنة السلاح

يعيش لبنان اليوم واحدة من أكثر الحالات تعقيداً وخطورة في النظام الإقليمي، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على وجود تنظيم مسلح خارج إطار الدولة، بل تحولت إلى أزمة سيادة حقيقية تتداخل فيها مؤسسات الدولة مع نفوذ جماعات مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج السلطة الشرعية. فالدولة اللبنانية التي يفترض أن تحتكر استخدام القوة وتفرض سيادتها على كامل أراضيها، تجد نفسها منذ سنوات أمام واقع سياسي وأمني يتمتع فيه حزب الله بنفوذ عسكري وأمني وسياسي واسع جعل من الصعب الفصل بين الدولة والتنظيم المسلح.

لكن الإشكالية لا تتوقف عند نفوذ الحزب فقط، بل تمتد أيضاً إلى دور بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية التي سمحت، بشكل مباشر و غير مباشر، بحرية تنقل الجماعات المسلحة داخل البلاد، بما في ذلك مواكب مسلحة، وانتشار السلاح المرخص وغير المرخص، ووجود مناطق نفوذ شبه مغلقة أمام سلطة الدولة. هذا الواقع خلق بيئة أمنية تسمح لجماعات مسلحة متعددة – وعلى رأسها حزب الله – بالتحرك داخل الأراضي اللبنانية كقوة موازية للدولة تمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية تفوق أحياناً قدرات المؤسسات الرسمية نفسها.

إن تنامي الجماعات المسلحة في مختلف المناطق اللبنانية، واستمرار ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، لم يعد مجرد خلل أمني عابر، بل أصبح واقعاً بنيوياً يقوّض فكرة الدولة اللبنانية ذاتها. فوجود تنظيم يمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، ويشارك في صراعات إقليمية خارج الحدود، ويحتفظ بهيكلية أمنية وعسكرية مستقلة، يعني عملياً أن قرار الحرب والسلم لم يعد بيد المؤسسات الدستورية اللبنانية.

ولا يمكن إغفال أن هذا الواقع ترافق أيضاً مع إفلات متكرر لمطلوبين للقضاء اللبناني من العقاب، حيث تشير وقائع عديدة إلى أن بعض المطلوبين أو المتهمين بجرائم أمنية أو جنائية وجدوا حماية سياسية أو أمنية داخل بيئات مسلحة مرتبطة بحزب الله، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين بمؤسسات العدالة وأعطى انطباعاً بأن القانون لا يطبق بالتساوي على الجميع.

وفي ظل هذه المعادلة، تتحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية سياسية وقانونية لا يمكن تجاهلها. فالدولة التي لا تستطيع ضبط أجهزتها الأمنية، ولا تفرض سيطرتها على السلاح المنتشر خارج مؤسساتها، ولا تمنع الجماعات المسلحة من استخدام أراضيها كمنصة للصراعات الإقليمية، تتحمل بالضرورة جزءاً من المسؤولية عن تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين قوى خارجية.

إن المشهد الذي ظهر خلال الحرب الحالية – بما في ذلك التحركات العسكرية الكثيفة في الجنوب والقدرة العملياتية التي أظهرتها الجماعات المسلحة – يعكس بوضوح حجم الفجوة بين سلطة الدولة اللبنانية وبين القوى العسكرية الفعلية على الأرض. وهذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً لا يتعلق فقط بالحرب الراهنة، بل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها: هل ما زال لبنان دولة قادرة على فرض سيادتها على أراضيها، أم أنه أصبح مسرحاً مفتوحاً لقوى مسلحة تتجاوز مؤسساته وتفرض عليه معادلات الصراع الإقليمي؟

إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط تعريض لبنان لحروب متكررة، بل يهدد أيضاً فكرة الدولة اللبنانية ككيان سيادي قادر على حماية أراضيه ومواطنيه. وفي غياب قرار سياسي حاسم يعيد احتكار السلاح إلى مؤسسات الدولة ويضع حداً لهيمنة الجماعات المسلحة، سيبقى لبنان عرضة لدورات متتالية من الصراعات التي يدفع ثمنها المواطن اللبناني قبل أي طرف آخر.

.

العراق: دولة تتقاسمها المؤسسات الرسمية وهيمنة الجماعات المسلحة

لا يختلف العراق كثيراً عن لبنان في طبيعة الأزمة المتعلقة بسيادة الدولة واحتكار السلاح. فبعد سنوات من الحروب والصراعات الداخلية، برزت في العراق شبكة واسعة من الجماعات المسلحة التي أصبحت لاعباً أساسياً في المشهد السياسي والأمني، وبعضها لا يكتفي بالعمل خارج إطار الدولة، بل بات منضوياً شكلياً داخل مؤسساتها أو مرتبطاً بها من خلال هياكل رسمية أو شبه رسمية.

هذه الجماعات، التي نشأت في سياقات مختلفة، تطورت مع الوقت لتصبح قوى عسكرية وسياسية ذات نفوذ واسع، تمتلك قدرات قتالية وتنظيمية تفوق أحياناً قدرات بعض مؤسسات الدولة. لكن الإشكالية الأكبر لا تكمن فقط في حجم قوتها العسكرية، بل في طبيعة ارتباطاتها السياسية والأيديولوجية، حيث تشير كثير من المعطيات إلى أن بعض هذه التنظيمات يحكمها ولاء مذهبي أو طائفي يتجاوز حدود الدولة العراقية ويرتبط بمحاور إقليمية، وعلى رأسها إيران.

وقد أدى هذا الواقع إلى خلق معادلة معقدة داخل العراق، حيث لم يعد القرار الأمني والعسكري في بعض الأحيان نتاج المؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبح متأثراً بنفوذ جماعات مسلحة تمتلك أجنداتها الخاصة وعلاقاتها الإقليمية. وفي عدة مناسبات، تحولت هذه الجماعات إلى أطراف فاعلة في الصراع الإقليمي عبر استهداف قواعد عسكرية أو مصالح لدول أخرى، الأمر الذي وضع العراق في قلب مواجهات لم يكن قرارها بيد الدولة العراقية بالكامل.

إن استمرار هذا الوضع يضع الحكومة العراقية أمام تحدٍ جوهري يتعلق باستعادة احتكار السلاح وفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها. فوجود قوى مسلحة تمتلك استقلالاً عملياً في القرار العسكري، أو تتحرك بدوافع طائفية أو إقليمية، يقوّض فكرة الدولة الوطنية ويجعل العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال المطروح ليس فقط حول قدرة الدولة العراقية على ضبط هذه الجماعات، بل حول مدى قدرتها على إعادة بناء مفهوم السيادة الوطنية في بيئة سياسية وأمنية تتداخل فيها الولاءات المذهبية والإقليمية مع مؤسسات الدولة نفسها. فالدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تملك القرار النهائي في استخدامه تبقى عرضة لأن تتحول أراضيها إلى مسرح دائم للصراعات الخارجية، وهو ما يدفع المواطن العراقي ثمنه من أمنه واستقراره ومستقبل بلاده.

.

في الختام: عندما تهدد الحروب القانون الدولي والاقتصاد العالمي

لم تبقِ الحرب آثارها محصورة داخل حدود الدول المتحاربة، بل امتدت ارتداداتها إلى منطقة الخليج التي تمثل أحد أهم المراكز الحيوية للطاقة والتجارة العالمية. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز في العالم، تحول بدوره إلى عنصر ضغط في معادلة الردع والصراع، وأصبح أي تهديد للملاحة فيه لا يمثل أزمة إقليمية فحسب، بل خطراً مباشراً على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية. كما أن استهداف منشآت الطاقة والموانئ والمطارات في دول الخليج يفتح الباب أمام توسيع دائرة الحرب إلى مناطق جديدة، وهو ما قد يحول الصراع من مواجهة إقليمية إلى أزمة دولية ذات انعكاسات اقتصادية وأمنية عميقة.

غير أن أخطر ما تكشفه هذه الحرب لا يتعلق فقط باتساع رقعة المواجهة أو حجم الدمار، بل بالهوة المتزايدة بين نصوص القانون الدولي والواقع العسكري على الأرض. فالقانون الدولي الإنساني وُضع أساساً لحماية المدنيين وتنظيم الحروب، لكن ما يجري اليوم يظهر أن هذه القواعد باتت في كثير من الأحيان عاجزة عن فرض نفسها في صراع تتداخل فيه القوى الكبرى والدول الإقليمية والتنظيمات المسلحة.

إن استمرار استهداف المدنيين، وتدمير البنى التحتية الحيوية، وتهديد التجارة العالمية، يشير إلى أن النظام الدولي يمر بمرحلة اختبار حقيقية. فإذا استمرت هذه الانتهاكات دون مساءلة أو محاسبة جدية، فإن القانون الدولي قد يتحول تدريجياً من منظومة ملزمة إلى مجرد مبادئ أخلاقية تُستحضر في الخطابات الدبلوماسية وتُهمل في ساحات الحرب.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً بطرف واحد في هذا الصراع، بل بمستقبل النظام الدولي كله:
هل ما نشهده اليوم هو انهيار تدريجي للقانون الدولي، أم بداية مرحلة جديدة تُدار فيها الحروب بمنطق القوة وحدها، بينما تبقى القوانين مجرد حبر على ورق؟

.

خاص بوابة بيروت

 

شارك المعرفة

مشاركة الموضوع

أدوات المقال
البريد