السبت، 10 أكتوبر 2026 news@a-tarekji.com.ar 005491158873778

كنانة خلف الكردي… حين يصبح القلم موقفًا وتصبح الكلمة أثرًا

كنانة خلف الكردي… حين يصبح القلم موقفًا وتصبح الكلمة أثرًا

بقلم : د. عبد العزيز طارقجي

صحفي استقصائي وباحث في الإنتهاكات الدولية لحقوق الإنسان

.

ليست كل الكتابة أثرًا، وليست كثرة الكلمات دليلًا على حضور صاحبها. ثمة من يكتب ليملأ مساحة، ومن يكتب ليواكب حدثًا، ومن يتعامل مع المقال باعتباره رأيًا ينتهي بانتهاء لحظته. وهناك من يكتب لأنه يرى في الكلمة مسؤولية، وفي الموقف امتدادًا لفكرة، وفي الصمت أمام ما يعتقد أنه خطأ نوعًا من التنازل.

في هذه المساحة يمكن قراءة تجربة الكاتبة والباحثة السورية كنانة خلف الكردي.

لا أكتب هنا سيرةً تقليدية لصديقة، ولا أريد أن يكون هذا النص شهادة مجاملة تفرضها الصداقة. فالصداقة قد تسمح لي بمعرفة الإنسانة عن قرب، لكنها لا تكفي للحكم على الكاتبة. الذي يمنح كنانة مكانها في هذا النص هو ما تكتبه، وما تختار أن تقف عنده، والأسئلة التي تطرحها حين يكون الصمت أكثر راحة من الكلام.

وتعرّفها صفحة كتّاب الجزيرة نت وبعض المواقع الإلكترونية ببساطة بأنها “مدونة، باحثة، سورية”. غير أن قراءة كتاباتها المنشورة في أكثر من منبر تكشف صورة أوسع من تعريف مهني مختصر: امرأة منشغلة بالدولة والمواطن والكرامة والكفاءة والعدالة، وبسؤال يبدو حاضرًا خلف كثير من نصوصها: أي وطن نريد، وأي مكان يجب أن يحتله الإنسان داخله؟

.

امرأة لا تفصل الوطن عن الإنسان

الوطن في كتابات كنانة ليس خريطةً ولا شعارًا يُستدعى عند الحاجة. هو علاقة بين الدولة والإنسان.

حين تكتب عن القرارات الاقتصادية، لا تتوقف عند السعر والقرار الحكومي، بل تنتقل إلى المواطن الذي سيتحمل نتيجته. وحين تتناول أزمة الدولة، تميز بين دولة تواجه ظروفًا صعبة وبين سلطة تجعل المواطن يدفع ثمن إخفاق السياسات العامة. وفي كتاباتها عن أصحاب الكفاءات، تعود مجددًا إلى الإنسان الذي يمتلك المعرفة والخبرة، ثم يجد الأبواب مغلقة أمامه لصالح المحسوبية أو شبكات المصالح.

وهذه ليست تفاصيل متفرقة.

إنها تكشف خيطًا فكريًا يتكرر في كتاباتها: الدولة تُقاس في النهاية بما تفعله بالإنسان.

وهنا تبتعد كتابتها عن الخطاب السياسي الذي يتعامل مع الشعوب باعتبارها أرقامًا خلف الزعماء والحدود والمؤسسات. المواطن عندها حاضر في قلب المعادلة؛ بكرامته، وفرصته، وحقه في ألا يتحول إلى فاتورة تدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها.

حتى عندما تناولت قضية النازحين والمتضررين من الحرب، لم تقدمها كأزمة مساعدات فقط، بل كأزمة كرامة وانتماء لأشخاص خرجوا من الحرب ثم وجدوا أنفسهم أمام معركة أخرى من أجل البيت والعمل والفرصة.

.

القوة التي لا تحتاج إلى ضجيج

وقد يكون من أكثر ما يلفت في كنانة أنها تكتب كامرأة واعية تمامًا للكلفة الإضافية التي تدفعها المرأة عندما تدخل المجال العام.

في مقالها المنشور في الجزيرة في سبتمبر/أيلول 2026 عن المرأة في السياسة والإعلام، تناقش ظاهرة قاسية ومألوفة: أن المرأة لا تُحاسب دائمًا على فكرتها وحدها، وإنما على شكلها ولباسها وصورتها وحياتها الخاصة؛ وأن العجز عن مواجهة الفكرة قد يدفع البعض إلى استهداف صاحبتها.

وهنا تصبح الكتابة شخصية وإنسانية من دون أن تتحول إلى شكوى.

فالمرأة القوية ليست بالضرورة تلك التي ترفع صوتها أكثر من الآخرين، ولا التي تدعي أنها لا تتألم. القوة الحقيقية قد تكون في أن تتعرض للضغط ثم تحتفظ بقدرتها على إنتاج الفكرة؛ أن تواجه محاولة اختزالها في صورة فترد بالنص، وأن يحاول الآخرون جرها إلى الشخصنة فتعيد النقاش إلى الكفاءة والمعرفة والموقف.

وهذه إحدى الصور التي أراها في كنانة.

قوة لا تعني القسوة، وصلابة لا تلغي الحساسية الإنسانية.

.

الكفاءة بوصفها قضية

ومن يتابع نصوص كنانة يلاحظ أن “الكفاءة” ليست عندها مفردة عابرة.

تعود إليها باستمرار: في الإدارة، والسياسة، والإعلام، ومؤسسات الدولة، وحتى في العلاقة بين المجتمع وأصحاب النجاح.

في أحد أحدث نصوصها تناولت ما وصفته بـ”متلازمة الخشخاش الطويل”، أي الميل إلى استهداف من يبرز أو ينجح في بيئة قد تتحول فيها الكفاءة نفسها إلى مصدر للعداء. وفي مقال آخر كتبت عن تهميش أصحاب الخبرة والاختصاص وغياب الفرص أمامهم.

يمكن الاختلاف معها في بعض استنتاجاتها، وهذا طبيعي مع أي كاتب يمتلك موقفًا. لكن يصعب بعد قراءة مجموعة من نصوصها ألا نرى ثبات السؤال لديها:

لماذا نخشى الإنسان الناجح بدل أن نستفيد منه؟

وهو سؤال يتجاوز سوريا إلى مشكلة عربية أوسع، حيث كثيرًا ما تستطيع المجتمعات إنتاج أصحاب الكفاءة، ثم تفشل المؤسسات في الاحتفاظ بهم.

.

سوريا التي تريدها

وحين تصل كنانة إلى سوريا، تصبح اللغة أكثر التصاقًا بالذاكرة.

في كتابتها الأخيرة عن ثوار عام 2011، تعود إلى البدايات وإلى مفردتي الكرامة والحرية، وتتوقف عند أولئك الذين شاركوا في اللحظة الأولى ثم وجد بعضهم نفسه خارج المشهد الذي ساهم في صنعه.

لكن اللافت أن موقفها من إرث الانتهاكات لا يتحول إلى دعوة للانتقام.

في نصها حول محاسبة “الشبيحة”، تدافع عن حق الضحايا في العدالة والمحاسبة، وفي الوقت نفسه ترفض أن تتحول العدالة إلى ثأر جماعي. وتضع العدالة الانتقالية في مكانها الصحيح: لا نسيان للضحايا ولا إفلات للجناة، ولكن أيضًا لا مسؤولية جماعية تُحمّل الإنسان ذنب جماعة أو بيئة ينتمي إليها.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.

فالامتحان الأصعب لمن خرج من تجربة سياسية دامية ليس أن يرفض الظلم الذي وقع عليه، بل أن يرفض كذلك أن يعيد إنتاج الظلم عندما تتغير موازين القوة.

.

وطن لا يُبنى بالثأر

سوريا التي تظهر بين سطور كنانة ليست دولة الغلبة.

هي دولة يفترض أن تكون أكبر من الجماعات، وأكبر من الانتقام، وأكبر من شبكات المصالح الصغيرة.

حتى تناولها للمسألة الكردية والخطاب الإعلامي المرتبط بها يكشف خوفًا واضحًا من انتقال الخلاف السياسي إلى صراع هويات ومكونات؛ فهي تحذر من اللغة التي تجعل الانتماء القومي بديلًا عن المواطنة وتحوّل النزاع السياسي إلى مواجهة بين الجماعات.

وهنا يلتقي مفهومها للسيادة بمفهومها للمواطنة.

فالسيادة ليست مجرد حدود محمية من الخارج، وإنما دولة قادرة من الداخل على أن تجعل مواطنيها يشعرون بأنهم جزء منها.

وعندما تنتقل إلى النفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة، تتغير زاوية الكتابة، لكنها لا تبتعد كثيرًا عن الفكرة نفسها. فهي تقرأ النفوذ الإيراني من زاوية الشبكات العابرة للحدود وقدرتها على التأثير في سيادة الدول، وترى أن سقوط بنية سياسية أو عسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء شبكات النفوذ التي نشأت خلال سنوات طويلة.

قد يختلف القارئ معها في التقدير السياسي أو يتفق، لكن موقفها هنا ليس مستترًا. كنانة لا تختبئ خلف حياد مصطنع عندما تكتب الرأي.

وهذه ميزة مهمة في كاتب المقال السياسي: أن يعرف القارئ من أي نافذة ينظر الكاتب، ثم يحاكم حجته وأدلته بنفسه.

.

حين يكون القلم موقفًا

ثمة فرق بين أن يكون للكاتب موقف، وبين أن تتحول كتابته إلى خصومة دائمة.

في نصوص كنانة حدّة واضحة أحيانًا. بعض عناوينها نفسها صدامية، وبعض عباراتها لا تحاول استرضاء من تنتقدهم. وفي نص حديث لها عن الهجوم على أصحاب الأفكار، وضعت مواجهةً حادة بين من يصنع فكرة ومن يحاول هدم صاحبها عندما يعجز عن منافسته فكريًا.

وهنا تظهر شخصية كاتبة لا تتعامل مع الكلمة كزينة.

ربما لهذا لا تكون كتاباتها دائمًا مريحة.

والكتابة التي تريد أن تترك أثرًا لا يفترض بها أصلًا أن تكون مريحة طوال الوقت.

قد تستفز، وقد تفتح نقاشًا، وقد تدفع القارئ إلى الاعتراض. المهم أن تمنحه شيئًا يستحق أن يعترض عليه، لا مجرد جملة عابرة ينساها بعد إغلاق الصفحة.

.

كنانة الإنسانة خلف الكاتبة

أما الصداقة، فتعطيني مساحة لا تمنحها محركات البحث ولا صفحات الكتّاب.

أعرف أن خلف النصوص امرأة قوية. لكنني لا أريد استخدام كلمة “قوية” بالمعنى المستهلك الذي يحول البشر إلى تماثيل لا تتعب ولا تتألم.

القوة التي تستحق الاحترام هي أن يبقى الإنسان قادرًا على التفكير والعمل والإنتاج بعد ما يمر به، وأن يحتفظ بقدرته على الدفاع عن فكرته دون أن يفقد إنسانيته.

ولهذا، عندما أقرأ كتابات كنانة، لا أبحث فقط عما تقوله عن السياسة.

أبحث عن صاحبة النص.

أجد امرأةً تؤمن بأن الكفاءة يجب ألا تكون تهمة، وأن المواطن ليس تفصيلًا في مشروع الدولة، وأن المرأة لا ينبغي أن تدفع ثمن حضورها العام من سمعتها وخصوصيتها، وأن الضحية تستحق العدالة لا دورة جديدة من الانتقام، وأن الوطن الذي يُراد له أن ينهض لا يمكن أن يُبنى بالمحسوبية ولا بالإقصاء ولا بتكسير أصحاب الأفكار.

هذه ليست صورة صنعتها الصداقة وحدها.

إنها صورة يمكن العثور على أجزاء كثيرة منها متناثرة في نصوصها المنشورة.

وتبقى الكلمة…

قد لا يغير مقالٌ دولة، ولا توقف جملةٌ حربًا، ولا يهزم كاتبٌ وحده منظومة فساد أو استبداد.

لكن التاريخ لم يكن يومًا مصنوعًا فقط من أصحاب السلطة.

هناك أيضًا الذين كتبوا ما رأوه حين كان غيرهم يصمت، والذين احتفظوا بالأسئلة عندما أراد الآخرون إجابات جاهزة، والذين تركوا خلفهم شهادة تقول إن أحدًا كان يرى ويفكر ويعترض.

وهنا أفهم كنانة خلف الكردي.

ليس باعتبارها كاتبة تبحث عن حضور، بل امرأة تريد أن يكون لحضورها معنى.

وبين الأمرين فرق كبير.

فالأسماء قد تتصدر الصفحات ثم تختفي، والمناصب تتغير، والضجيج مهما علا يخفت في النهاية.

أما الفكرة الجيدة، والموقف الصادق، والكلمة التي كُتبت لأن صاحبها شعر أن عليه أن يقولها، فلها عمر آخر.

كنانة خلف الكردي تكتب لأنها تؤمن بأن للكلمة وظيفة تتجاوز النشر، ولأنها تعرف أن القلم حين يحمل فكرة يصبح موقفًا، وحين يحمل موقفًا بصدق… قد يصبح أثرًا.

وفي الختام، شكرًا للصديقة كنانة خلف الكردي على كل كلمة تكتبها دفاعًا عن الإنسان السوري وكرامته وحقه في وطن يليق به.

شارك المعرفة

مشاركة الموضوع

أدوات المقال
✉البريد
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com