نضال الأحمدية… صحافة بوجهين ولسان مسموم: قسوة على اللاجئين، تهديد للفنانين ومجاملة لطغاة سوريا
من إهانة السوريين والفلسطينيين إلى ملاحقة أصالة نصري… عندما يتحول المنبر الإعلامي إلى ساحة للخصومات وتصفية الحسابات
.
بقلم: د. عبد العزيز طارقجي
صحافي استقصائي وباحث في الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان
.
ليست الصحافة رخصة لإهانة الشعوب، ولا حرية التعبير حصانة تتيح لصاحب المنبر تحقير اللاجئين أو التشهير بالفنانين أو إصدار الأحكام على الناس وفق جنسياتهم ومواقفهم السياسية. فالصحافة التي يُفترض أن تحمي الحقيقة وتراقب السلطة تفقد رسالتها عندما تتحول إلى ساحة للخصومات الشخصية والاستعلاء على الآخرين.
وتبرز هنا من تسمى بـ الإعلامية اللبنانية نضال الأحمدية، مؤسسة مجلة «الجرس» ورئيسة تحريرها، بوصفها إحدى الشخصيات التي أثارت تصريحاتها ومواقفها المتكررة جدلاً واسعاً، من الإساءة إلى اللاجئين السوريين والفلسطينيين، إلى الخصومات الحادة مع فنانات عربيات، وصولاً إلى مواقفها من الديكتاتور بشار الأسد وعائلته.
ولعل السؤال الأهم ليس عن حق الأحمدية في التعبير، وهو حق مكفول لها، بل عن الحدود التي تفصل الصحافة المهنية عن الإهانة والتشهير، وعن المعايير التي تجعلها تتشدد مع معارضي السلطة السورية السابقة، بينما تتحدث بلغة مختلفة عن رموز تلك السلطة.
.
السوريون… عندما يصبح اللجوء تهمة
في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2019، نشرت صحيفة “العربي الجديد” تقريراً عن مقابلة أجرتها الأحمدية مع الفنانة السورية سوزان نجم الدين، أثارت انتقادات بسبب اللغة المستخدمة بحق اللاجئين السوريين، ومن بينها وصفهم بأنهم “عالات”.
وفي تصريحات لاحقة نقلها تلفزيون سوريا، نُسب إليها القول إن “السوري النظيف بقي ببلده”، وهي عبارة تختزل مأساة النزوح في حكم أخلاقي مهين، وكأن الهروب من الحرب والخوف على الأطفال دليل على نقص في الشرف أو الاستقامة.
أما في يونيو/حزيران 2023، فقد أثارت الأحمدية موجة جديدة من الانتقادات بعد حديثها عن عامل سوري لم يعرف اسم حلوى “الشوكولامو”، في واقعة تحولت إلى نموذج للاستعلاء الثقافي والسخرية من اختلاف اللهجات والمعرفة المحلية.
إن من حق اللبنانيين مناقشة أعباء النزوح وانتقاد السياسات الحكومية والدولية، لكن لا يحق لأحد تحويل معاناة اللاجئين إلى مادة للاحتقار. فالسوري الذي فقد منزله وعمله ووطنه لا يحتاج إلى شهادة أخلاقية من إعلامية، ولا إلى امتحان في أسماء الحلويات كي يستحق الاحترام.
.
الفلسطينيون… خطأ يتجاوز حدود التحرير
في مايو/أيار 2014، أثارت مجلة “الجرس” غضباً فلسطينياً بعدما نشرت مادة وصفت فلسطينيي الداخل بالإسرائيليين، في سياق تناول برنامج “أراب أيدول”.
وقد اعتذرت الأحمدية عن المادة، موضحة أنها لم تكتبها شخصياً، مع تحملها المسؤولية التحريرية عنها.
ورغم أهمية الاعتذار، فإن الواقعة تطرح سؤالاً عن المعايير المهنية داخل المؤسسة الإعلامية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالهوية الوطنية لشعب عانى طويلاً من محاولات طمس هويته.
فرئاسة التحرير ليست لقباً يمنح صاحبه سلطة النشر فحسب، بل مسؤولية عن دقة ما يُنشر واحترام كرامة الآخرين.
.
أصالة نصري… من الخلاف السياسي إلى التهديد بالتوقيف
تُعد خصومة الأحمدية مع الفنانة السورية أصالة نصري من أبرز الأمثلة على انتقال السجال الإعلامي إلى مستويات تتجاوز النقد الفني.
فأصالة التي أعلنت معارضتها لحكم الديكتاتور بشار الأسد ورفضت الاصطفاف مع نظامه، تعرضت لهجمات متكررة من الأحمدية، بلغت ذروتها في مايو/أيار 2024، عندما توعدتها بالتوقيف فور وصولها إلى مطار بيروت، على خلفية تصريحات سابقة للفنانة بشأن الأمن اللبناني.
ونقلت وسائل إعلام عن الأحمدية قولها: “حين تصل أصالة نصري إلى مطار بيروت سيلقى القبض عليها للتحقيق والتوقيف، هذا وعد”.
وهنا يبرز سؤال قانوني مشروع: منذ متى أصبح بإمكان رئيسة تحرير مجلة أن تعد بتوقيف فنانة، وكأنها تملك سلطة إصدار القرارات القضائية؟
إن تقديم شكوى أمام القضاء حق مشروع، لكن إعلان توقيف شخص مسبقاً باعتباره أمراً محسوماً يوحي بسلطة لا يملكها الإعلاميون.
وفي 4 يونيو/حزيران 2024، نقل موقع “مصراوي” عن منظم الحفلات اللبناني حسين كسيرة أن القضاء أصدر قراراً يلزم الأحمدية بإزالة منشورات متعلقة بحفل أصالة، تحت طائلة غرامة إكراهية قدرها ألف دولار عن كل يوم يستمر فيه نشرها. وهي معلومات تستند إلى تصريح كسيرة المنشور، ولم تتوافر نسخة القرار القضائي الأصلية للتحقق من كامل تفاصيله.
هذه الوقائع تفتح نقاشاً حول استخدام المنابر الإعلامية في الخصومات الشخصية، وحدود المسؤولية عن المنشورات التي قد تمس سمعة الآخرين ومصالحهم.
فالصحافة ليست محكمة، ورئيس التحرير ليس قاضياً، والميكروفون لا يمنح صاحبه سلطة إصدار الأحكام أو تنفيذها.
ولم تتوقف هجمات الأحمدية على أصالة نصري عند التهديدات السابقة؛ ففي 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نشرت مجلة «الجرس» عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس” مقطعاً مصوراً ظهرت فيه نضال الأحمدية شخصياً وهي تتناول أصالة نصري بحديث اعتبرتُه تحريضياً ومسيئاً إلى سمعتها، ولا سيما في ما يتعلق بإثارة موضوع المخدرات. وقد تابعتُ هذا المقطع بنفسي وعلّقتُ عليه علناً من حسابي الموثق، معترضاً على ما رأيته استمراراً لاستهداف الفنانة والإساءة إليها تحت غطاء العمل الإعلامي. وفي تقديري، فإن تحويل اتهامات تمس السمعة الشخصية إلى مادة إعلامية متداولة، من دون تقديم أدلة واضحة تثبت صحتها، لا يمثل ممارسة صحفية مسؤولة، بل يثير تساؤلات جدية حول توظيف المنبر الإعلامي لتصفية الخصومات الشخصية. وأحتفظ بالتوثيق المنشور لهذه الواقعة، التي تضاف إلى سجل الخلافات العلنية بين الأحمدية وأصالة.
.
بشار وأسماء الأسد… ازدواجية تستحق المساءلة
تزداد التساؤلات حول مواقف الأحمدية عند مقارنة خطابها تجاه أصالة والمعارضة السورية بتصريحاتها المتعلقة ببشار الأسد وعائلته.
ففي يونيو/حزيران 2023، نقلت وسائل إعلام تصريحات وصفت فيها المعارضة السورية بعبارات مهينة، وأشادت بذكاء الديكتاتور بشار الأسد، معتبرة أن الذين راهنوا على سقوطه أخطأوا في تقديراتهم.
وفي مايو/أيار 2024، نشرت رسالة تمنّت فيها الشفاء لأسماء الأسد، وأشادت بالفنانة سلاف فواخرجي وموقفها الداعم للقيادة السورية أي قيادة الديكتاتور الاسد.
ولا اعتراض على التعاطف الإنساني مع مريض، أياً كانت هويته، لكن الإشادة السياسية بنظام ارتبط اسمه بانتهاكات جسيمة موثقة تثير تساؤلات عندما تقترن بخطاب قاسٍ تجاه معارضيه واللاجئين الذين فروا من الحرب.
فكيف يمكن التعامل بتقدير مع رموز سلطة ارتبط عهدها بالقمع والاعتقال والتعذيب والتهجير، بينما يُواجه معارضوها بإهانات وخصومات إعلامية؟
وليس المقصود أن الخلاف مع أصالة ثبت أنه ناجم عن موقفها السياسي، وإنما أن التباين بين هذه المواقف يستحق النقد والتحليل.
فالصحافي الذي يختار مجاملة السلطة والقسوة على ضحاياها يضع مصداقيته المهنية أمام اختبار أخلاقي لا يمكن تجاهله.
.
الخليج والفنانات العربيات… سجالات لا تنتهي
امتدت خصومات الأحمدية إلى فنانات خليجيات، وفي مقدمتهن الفنانة الإماراتية أحلام الشامسي، التي طالتها تصريحات هجومية وإساءات شخصية أثارت سجالات إعلامية واسعة.
كما نُسبت إلى الأحمدية منشورات تضمنت إساءات إلى الشعب السعودي وشعوب الخليج عموماً، غير أنها نفت مسؤوليتها عنها ووصفتها بالمفبركة. لكن اللافت، من خلال متابعة التعليقات على منشورات «الجرس» في مواقع التواصل الاجتماعي، حضور خطاب عدائي تجاه دول الخليج، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، من حسابات تتبنى مواقف مؤيدة لما يُعرف بمحور الممانعة، الذي ارتبطت بعض أطرافه بشبكات تهريب المخدرات والكبتاغون.
وهنا تبرز إشكالية أكثر خطورة تتعلق بازدواجية معايير إدارة المنصة. فمن واقع متابعتي، تبدو الأحمدية شديدة الحساسية تجاه الانتقادات الموجهة إليها، إلى حد حظر بعض المنتقدين، بينما تستمر تعليقات مسيئة إلى شعوب ودول عربية في الظهور على منشورات المجلة. وإذا كانت إدارة المنصة تملك القدرة على حظر من ينتقدها، فمن المشروع التساؤل: لماذا لا تُستخدم الصلاحيات نفسها للحد من الإهانات الموجهة إلى الآخرين؟
إن استمرار ظهور هذه التعليقات، رغم إمكان حذفها أو حظر أصحابها، يثير تساؤلاً مشروعاً حول مدى التسامح معها وانتقائية الإشراف عليها. ولا يكفي ذلك وحده لإثبات موافقة الأحمدية على مضمون كل تعليق، لكنه يضع مسؤولية إدارة النقاش العام على صفحات مؤسستها الإعلامية موضع مساءلة.
فحرية التعبير لا يمكن أن تكون حقاً حصرياً لصاحب المنبر ومناصريه، بينما يصبح نقده سبباً للإقصاء. والصحافة التي تضيق بالرأي المخالف، لكنها تتسع للإساءة إلى الآخرين، تقدم نموذجاً مقلقاً لازدواجية المعايير.
فالصحافة لا تكتسب قيمتها من عدد الخصوم الذين تهاجمهم، ولا من قدرتها على إسكات منتقديها، وإنما من نزاهتها واحترامها للإنسان. أما المنبر الذي يُغلق أبوابه أمام النقد ويفتحها للإهانات، فمن حق الجمهور أن يسأل: هل نحن أمام مساحة للحوار الحر، أم أمام منصة لا تتسع إلا للأصوات التي توافق صاحبها؟
.
الصحافة وحرية التعبير… مسؤولية لا امتياز
تكفل المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حرية الرأي والتعبير، بينما تحظر المادة العشرون من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.
ولا يعني ذلك أن كل تصريح جارح يشكل جريمة، فالمسؤولية الجنائية تتطلب توافر شروط قانونية محددة. لكن المسؤولية المهنية والأخلاقية لا تتوقف عند حدود التجريم.
فالصحافي مطالب بالتحقق من المعلومات، واحترام كرامة الإنسان، والفصل بين الخبر والرأي، وعدم استغلال منبره لتصفية خصوماته الشخصية.
ولا يمكن اعتبار التهديد أو التعميم المهين أو الاستعلاء على اللاجئين شجاعة صحفية لمجرد صدورها عن شخصية إعلامية معروفة.
.
رأيي الشخصي… صحافة المصالح لا تصنع الحقيقة
بصفتي صحافياً استقصائياً وباحثاً في الانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان، ومن خلال متابعتي لمسيرة نضال الأحمدية ومواقفها وتصريحاتها، أرى أن تجربتها الإعلامية تثير لدي قناعة نقدية راسخة بأن خطابها أقرب إلى إعلام المحسوبيات والاصطفافات السياسية منه إلى الصحافة الحرة المستقلة.
وأعتبر أن كثيراً من مواقفها لا تمت إلى جوهر حرية الرأي والتعبير بصلة، ليس لأنها تتبنى آراء سياسية مخالفة لآرائي، بل لأنني أرى في بعض ممارساتها توظيفاً للمنبر الإعلامي في الخصومات، وانتقائية في التعامل مع الشخصيات العامة، واستعلاءً غير مقبول على فئات بشرية دفعت أثماناً باهظة للحروب والاستبداد.
وفي تقديري، فإن مسيرتها، بما شهدته من مواقف متناقضة وسجالات شخصية، تثير تساؤلات جدية حول مدى تأثر خطابها بالمحسوبيات والعلاقات السياسية. وهذا تقييم مهني أتبناه استناداً إلى الوقائع المنشورة، وليس ادعاءً بامتلاكي أدلة على علاقات منفعة خفية أو ارتكاب جرائم لم تثبت قضائياً.
لقد تعلمت من عملي الصحفي والحقوقي أن الصحافة الحقيقية تقف في وجه الظلم، لا أن تختار ضحاياها وفق الهوية والجنسية والموقف السياسي، وأن حرية التعبير لا تتحول إلى قيمة نبيلة إلا عندما تقترن بالمسؤولية واحترام الكرامة الإنسانية.
ومن المؤسف أن يتحول المنبر الذي يُفترض أن يكون مساحة للحقيقة إلى ساحة للسجالات والإهانات، وأن تصبح الإثارة الإعلامية بديلاً عن التحقيق، والخصومة الشخصية بديلاً عن النقد المهني.
وأقولها بوضوح: لا أرى في إهانة اللاجئ شجاعة، ولا في تهديد الفنانة بطولة، ولا في مجاملة المستبد استقلالاً صحفياً. فالصحافة التي تخشى مواجهة السلطة، لكنها تستقوي بالكلمة على الضعفاء، تكون قد فقدت بوصلتها الأخلاقية مهما بلغت شهرة أصحابها.
إن التاريخ لا يخلّد الصحافيين بعدد الخصومات التي خاضوها، ولا بمقدار الضجيج الذي أحدثوه، وإنما بالحقائق التي كشفوها، والمظالم التي واجهوها، والكرامة الإنسانية التي دافعوا عنها.
والصحافة التي تتحول إلى أداة للمحسوبيات وتصفية الحسابات لا تحتاج إلى مزيد من الحرية بقدر ما تحتاج إلى استعادة ضميرها المهني. فمن يختبئ خلف اسم الصحافة ليحاسب الآخرين، عليه أولاً أن يكون مستعداً للمحاسبة أمام الحقيقة والتاريخ.