الجمعة، 9 أكتوبر 2026 news@a-tarekji.com.ar 005491158873778

الحوثيون وحربهم على طفولة اليمن: أطفالٌ يُساقون إلى الجبهات ومدنيون يُتركون وقودًا للحرب

الحوثيون وحربهم على طفولة اليمن: أطفالٌ يُساقون إلى الجبهات ومدنيون يُتركون وقودًا للحرب

بقلم : د. عبد العزيز طارقجي

صحفي إستقصائي وباحث في الإنتهاكات الدولية لحقوق الإنسان

.

 ليست مأساة اليمن مجرد نزاع مسلح طال أمده حتى اعتاد العالم أخباره، بل مأساة مجتمع يعيش منذ سنوات تحت وطأة السلاح والانقسام والانهيار الإنساني. وفي قلب هذا المشهد تقف جماعة الحوثيين بوصفها جماعة إرهابية مسلحة فرضت سلطة أمر واقع بالقوة على مساحات واسعة من البلاد، وأقامت أجهزة أمنية وعسكرية ومؤسسات تخضع لسيطرتها، فيما تراكمت ضدها على مدى سنوات تقارير دولية توثق أنماطًا من الانتهاكات بحق الأطفال والمدنيين والمعارضين والعاملين في المجال الإنساني.

وهنا لا تكمن خطورة القضية في اسم الجماعة أو في موقف هذه الدولة أو تلك منها، بل في الأفعال نفسها. فالمعيار الحقوقي ليس واشنطن ولا طهران ولا أي عاصمة أخرى؛ المعيار هو القانون، وحياة المدنيين، وحقوق الأطفال، وحرمة الجسد والحرية والكرامة الإنسانية.

وتقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن لعام 2025 لم يكتف بالحديث عن تجاوزات متفرقة، بل قال إن الانتهاكات الواسعة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان استمرت، وإن معظم الانتهاكات التي تمكن الفريق من التحقق منها نُسبت إلى الحوثيين. كما تحدث عن استراتيجية داخلية تهدف إلى تضييق المجال المدني وقمع المعارضة وإعادة تشكيل المؤسسات بما يسمح بترسيخ السيطرة والتلقين على المدى الطويل.

.

الطفولة في خدمة آلة الحرب

أشد ما يمكن أن تدان به جماعة مسلحة ليس مقدار ما تملكه من صواريخ، بل اللحظة التي يصبح فيها الطفل جزءًا من مخزونها البشري.

بحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة الخاصة بالأطفال والنزاع المسلح، تم التحقق خلال عام 2025 من 742  انتهاكًا جسيمًا بحق 652 طفلًا في اليمن، ومن بينها تجنيد واستخدام 262 طفلًا من جانب أطراف النزاع. هذه ليست تقديرات سياسية أو أرقامًا متداولة على وسائل الإعلام، بل حالات خضعت لمنهج التحقق الأممي.

وتجنيد الطفل لا يبدأ دائمًا عندما توضع البندقية في يده. يمكن أن يبدأ بالتعبئة، ثم التدريب، ثم الحراسة أو نقل المعلومات أو العمل عند نقاط التفتيش، وصولًا إلى المشاركة في القتال.

وهذا هو السبب في أن ما ورد في تقارير الأمم المتحدة عن المخيمات والأنشطة التي يتعرض فيها الأطفال لمضامين عسكرية لا يجوز التعامل معه باعتباره تفصيلًا هامشيًا. فحين تصبح البيئة التي يفترض أن يتعلم فيها الطفل بوابة إلى التعبئة العسكرية، فإن المسألة تتجاوز واقعة تجنيد فردية إلى خطر عسكرة جيل كامل.

وفي تقرير فريق الخبراء لعام 2024، أبلغت الحكومة اليمنية الفريق بأنها تلقت 3,298  بلاغًا عن تجنيد أطفال من جانب الحوثيين خلال النصف الأول من ذلك العام، وقالت إن الأطفال استُخدموا في مهام شملت القتال والاستطلاع وزرع الألغام والأجهزة المتفجرة والتجسس وأدوارًا أخرى. لكن الدقة تقتضي التأكيد أن هذا الرقم قدمته الحكومة اليمنية ولم تتحقق الأمم المتحدة بصورة مستقلة من جميع حالاته.

وفي التقرير نفسه، أفادت مصادر سرية للفريق بوجود 142  حالة متحققة لتجنيد واستخدام أطفال خلال الفترة من سبتمبر/أيلول 2023 حتى يوليو/تموز 2024  .

وعاد لف تجنيد الأطفال والزج بهم في الحرب بقوة في العام 2026 دون احصائيات شاملة ولكنه أصبح مؤكد .

هذه التفرقة ليست محاولة لتخفيف الاتهام عن الحوثيين. العكس صحيح. الملف الحقوقي يصبح أقوى عندما لا يحتاج إلى تضخيم الأرقام ولا إلى تحويل الادعاء إلى حقيقة قبل التحقق منه. يكفي ما ثبت.

.

الطفل ليس جنديًا احتياطيًا

القانون الدولي لا يعتبر الأطفال مخزونًا يمكن للجماعات المسلحة اللجوء إليه عندما تحتاج إلى مزيد من المقاتلين.

يحظر القانون الدولي الإنساني تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم في الأعمال العدائية، بينما توسعت منظومة حماية حقوق الطفل لتضع معايير أشد بالنسبة إلى إشراك من هم دون الثامنة عشرة في الجماعات المسلحة.

ويمكن أن يشكل تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية جريمة حرب عندما تتوافر عناصرها القانونية.

وهنا أيضًا يجب أن تكون اللغة حادة ودقيقة في آن واحد.

لا يحتاج الباحث الحقوقي إلى إعلان أن كل حالة تجنيد هي تلقائيًا «جريمة حرب». المسؤولية الجنائية الفردية تحتاج إلى إثبات العمر وطبيعة الاستخدام وعلاقة الفعل بالنزاع وهوية المسؤولين والقصد والعلم وسائر العناصر القانونية.

لكن هذا التحفظ القانوني لا يغير حقيقة أساسية: إدخال الطفل إلى الحرب انتهاك جسيم، ودفعه إلى القتال ليس بطولة ولا تربية عقائدية ولا تضحية مشروعة؛ إنه استغلال لطفولة شخص لا يفترض أن يكون أصلًا في ساحة القتال.

.

المدرسة ليست معسكرًا

لا تتوقف القضية عند الأطفال الذين يصلون إلى الجبهات.

فالخطر يبدأ حين تدخل العسكرة إلى المكان الذي يفترض أن يحمي الطفل منها.

الأمم المتحدة وثقت استخدامًا عسكريًا للمدارس والمستشفيات في اليمن، وهو نمط يضع الأطفال والمرضى والعاملين المدنيين في دائرة خطر إضافية. وتحويل مدرسة إلى موقع ذي وظيفة عسكرية لا يغير فقط طبيعة المبنى؛ إنه يضرب حق الطفل في التعليم ويهدد سلامته ويخلط عمدًا بين المساحة المدنية وفضاء الحرب.

ولا توجد قضية سياسية أو عسكرية تمنح أي جماعة حق تحويل المدرسة إلى امتداد للثكنة.

.

حكم السلاح والقمع

الصورة لا تكتمل إذا حُصر ملف الحوثيين في تجنيد الأطفال.

ففي المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وثقت منظمات حقوقية وتقارير دولية الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتضييق على الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المجتمع المدني.

وبنهاية عام 2025، كانت هيومن رايتس ووتش تشير إلى احتجاز الحوثيين تعسفيًا 69  موظفًا تابعًا للأمم المتحدة إلى جانب عشرات العاملين في المجتمع المدني، بعد حملة اعتقالات توسعت منذ مايو/أيار 2024.

كما أشارت المنظمة إلى أن كثيرًا من المحتجزين حُرموا من التواصل مع أسرهم أو الوصول إلى محامين.

كما وثق فريق خبراء الأمم المتحدة في تقريره لعام 2025 اعتقالات لصحافيين، وأشار إلى حالات ظل فيها أشخاص بمعزل عن العالم الخارجي، في سياق ما وصفه بالتضييق على تدفق المعلومات والمعارضة.  هذه ليست تفاصيل إدارية في منطقة حرب.

عندما تملك جماعة مسلحة جهازًا أمنيًا يستطيع انتزاع شخص من حياته وإخفاءه عن أسرته، وعندما يصبح الصحافي أو العامل الإنساني أو الموظف الأممي معرضًا للاعتقال بسبب عمله، فإننا نكون أمام سلطة قسرية يجب أن تُقاس بمدى احترامها لحقوق الناس، لا بما ترفعه من شعارات سياسية أو دينية.

.

إيران: دعم موثق، لا ذريعة لإلغاء مسؤولية الحوثيين

ولا يمكن تجاهل العامل الإيراني عند تحليل تطور القوة العسكرية الحوثية.

فريق خبراء الأمم المتحدة خلص في تقريره لعام 2024 إلى أن الحوثيين لا يملكون بمفردهم القدرة على تطوير وإنتاج عدد من منظومات الأسلحة المعقدة التي بحوزتهم، وتحدث عن مؤشرات وأدلة مرتبطة بدعم خارجي، وعن تشابهات بين معدات يستخدمها الحوثيون وتلك المنتجة أو المستخدمة في إيران، إضافة إلى احتمال نقل المعرفة التقنية والمكونات إليهم. كما ذكر التقرير أن معلوماته تشير إلى تلقي الحوثيين مساعدات تقنية وتدريبًا وأسلحة ودعمًا ماليًا من إيران ومن جماعات مسلحة إقليمية أخرى.

وفي تقرير 2025، قال فريق الخبراء إن التحقيقات أظهرت استمرار دعم خارجي لتدفق الأسلحة والمواد والمكونات ذات الاستخدام المزدوج إلى الحوثيين، مع تنوع طرق وشبكات الإمداد.

.

المدني ليس جدارًا واقيًا للمقاتل

واحدة من أخطر القضايا في أي حرب هي العلاقة بين النشاط العسكري والسكان المدنيين.

القانون الدولي الإنساني يفرض التمييز بين المقاتلين والمدنيين وبين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر الهجمات العشوائية ويُلزم الأطراف باتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار اللاحقة بالمدنيين.

وفي المقابل، لا يجوز للطرف المسيطر على الأرض أن يعرض السكان للخطر بوضع أهداف عسكرية بينهم متى كان بالإمكان تجنب ذلك.

وقد أثارت التقارير الدولية مسائل تتعلق باستخدام منشآت مدنية في النشاط العسكري الحوثي. كما تحدثت مصادر حكومية يمنية عن استخدام مدنيين وأطفال كدروع بشرية.

لكن مصطلح «الدروع البشرية» له تعريف قانوني محدد، ولذلك لا يجوز إطلاقه آليًا على كل حالة يوجد فيها مقاتلون داخل حي مدني.

حتى عندما تكون هناك شبهات قوية، يجب إثبات أن وجود المدنيين استُخدم بقصد حماية هدف أو قوة عسكرية من الهجوم.

هذه الدقة ليست خدمة للحوثيين، وإنما خدمة للضحايا. فالاتهام الذي يمكن إثباته أمام القضاء أقوى من ألف شعار لا يمكن إثباته.

ولكن الحوثيين وفق روايات العديد من الناشطين والمنظمات اليمنية الموثوقة قد استخدموا المدنيين كدروع بشرية ولذلك يجب توثيق هذه الحالات لأنها قانونياً ترتقي لإدانة الحوثيين بجرائم الحرب.

.

لا شرعية يصنعها الخوف

السيطرة على الأرض حقيقة مادية، لكنها ليست في حد ذاتها شهادة على شرعية الطريقة التي تمارس بها السلطة.

يمكن لجماعة أن تسيطر على مدينة بالسلاح، وأن تدير المؤسسات فيها، وأن تفرض الضرائب والقرارات وأن تنشئ أجهزة أمنية. كل ذلك يصف واقع السيطرة، لكنه لا يمنحها الحق في انتهاك حقوق سكان تلك المنطقة.

بل إن السيطرة الفعلية تزيد من المسؤولية.

فمن يملك السجن مسؤول عن المعتقل.

ومن يسيطر على المدرسة مسؤول عن ألا يحولها إلى أداة عسكرية.

ومن يجنّد الطفل لا يستطيع الاختباء خلف شعارات الحرب.

ومن يفرض الأمن بقوة السلاح لا يستطيع اعتبار المعارضة السلمية جريمة.

تقرير خبراء الأمم المتحدة لعام 2025 تحدث صراحة عن سعي الحوثيين إلى ترسيخ سلطتهم وعن استخدام الاعتقال والتضييق وإعادة تشكيل المؤسسات ضمن استراتيجية داخلية طويلة الأمد. وهذه الصورة تجعل مساءلة الجماعة عن أسلوب حكمها جزءًا من الملف الحقوقي، لا مجرد مسألة سياسية يمنية داخلية.

.

الإرهاب لا يبرر إرهابًا مضادًا

وفي المقابل، فإن الانتهاكات الحوثية لا تمنح أحدًا حق قتل المدنيين في المناطق الخاضعة لهم.

وقد وثقت منظمات حقوقية سقوط مدنيين نتيجة هجمات نفذتها أطراف أخرى، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن بعض تلك الهجمات قد تكون قد بلغت مستوى جرائم حرب.

وهذه النقطة لا تخفف حرفًا واحدًا من مسؤولية الحوثيين.

إنها فقط تؤكد المبدأ الذي يجب ألا يتغير: حقوق اليمني لا تتبدل بحسب هوية من يقتله.

لا يمكن مواجهة انتهاك بانتهاك، ولا يجوز تحويل المدنيين الموجودين تحت سيطرة جماعة مسلحة إلى أهداف مباحة بسبب طبيعة تلك الجماعة.

.

اليمن ليس مخزنًا للمقاتلين

بعد أكثر من عقد من الحرب، أصبح السؤال أعمق من عدد البنادق والصواريخ ومن يسيطر على أي محافظة.

السؤال هو: ماذا يبقى من المجتمع عندما يصبح الطفل مادة للتعبئة، والمدرسة ساحةً محتملة للعسكرة، والصحافي معرضًا للاعتقال، والعامل الإنساني مهددًا بالإخفاء، والمعارض يعيش تحت الخوف؟

ليس مقبولًا أن تصبح الأجيال اليمنية ثمنًا دائمًا لمشروع مسلح.

وليس مقبولًا أن يتحول الدعم الخارجي إلى وسيلة لإطالة عمر الحرب وتعزيز قدرة أي جماعة على فرض إرادتها بالقوة.

ولا يمكن لأي خطاب ديني أو سياسي أو مقاوم أن يمحو حقوق طفل جُنّد، أو أسرة فقدت ابنها، أو معتقل أُخفي عن أهله، أو مدني وجد نفسه محاصرًا بين السلاح والقصف.

المساءلة المطلوبة ليست انتقامًا من الحوثيين، ولا اصطفافًا مع الولايات المتحدة أو أي قوة إقليمية.

إنها ببساطة تطبيق للقانون.

التحقيق في تجنيد الأطفال.

الكشف عن مصير المختفين والمعتقلين تعسفيًا.

حماية الصحافيين والعاملين في المجتمع المدني.

إبعاد المدارس والمستشفيات عن الاستخدام العسكري.

التحقيق في الهجمات على المدنيين.

وملاحقة من تتوافر الأدلة على مسؤوليته عن جرائم دولية أمام قضاء مستقل ومختص.

فالحوثي الذي يرتكب انتهاكًا لا يصبح فوق القانون لأنه يرفع شعارًا سياسيًا، كما أن خصمه لا يصبح فوق القانون لأنه يحاربه.

وفي نهاية المطاف، لا يُقاس أي مشروع سياسي بعدد البنادق التي يمتلكها ولا بالمناطق التي يسيطر عليها، بل بما يفعله بالإنسان حين يصبح هذا الإنسان تحت سلطته.

وعندما يُساق الطفل نحو الحرب بدل المدرسة، ويُقمع المدني بدل حمايته، ويُختطف المعارض بدل أن يُسمع صوته، فإن الوثائق والأرقام لا تعود مجرد مادة لتقرير حقوقي.

إنها شهادة على واقع يحتاج إلى عدالة ومساءلة.

أطفال اليمن ليسوا وقودًا لحرب أحد، واليمنيون ليسوا رهائن لمشروع مسلح. ومن يرتكب الانتهاكات بحقهم، أيًا كان موقعه أو داعمه، يجب أن يبقى تحت عين القانون حتى تأتي لحظة المحاسبة.

شارك المعرفة

مشاركة الموضوع

أدوات المقال
✉البريد
HTML Snippets Powered By : XYZScripts.com